تعيش أميركا حالة مستمرة من الحملات الانتخابية التي تدوم طويلا، خاصة حملة انتخابات الرئاسة التي تستغرق عادة ما يقارب السنتين. وبينما يتم انتخاب رئيس دولة جديد كل 4 سنوات، يتم انتخاب كافة أعضاء مجلس النواب، والبالغ عددهم 435 عضوا كل سنتين. أما أعضاء مجلس الشيوخ، والبالغ عددهم 100 عضو، فيتم انتخاب ثلثيهم كل سنتين.
وينص نظام الانتخابات الأميركي على أن فترة الرئاسة هي 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وأن فترة العضوية في مجلس الشيوخ هي 6 سنوات قابلة للتجديد لمرات لا حصر لها، وأن فترة العضوية في مجلس النواب هي سنتان قابلة للتجديد لمرات ومرات. ولذا فإن الانتخابات المقبلة، والتي ستجرى يوم 7-11-2006، ستشهد انتخاب مجلس نواب جديد، وانتخاب ثلث أعضاء مجلس الشيوخ.
يشير سجل الانتخابات الأميركية السابقة إلى أن غالبية الانتخابات، خاصة الانتخابات التي تجرى في منتصف الفترة الرئاسية، تركز عادة على القضايا الداخلية أكثر بكثير من تركيزها على قضايا السياسة الخارجية. ويعود السبب في ذلك لاتجاه الناخب الأميركي بوجه عام إلى الاهتمام بالقضايا ذات التأثير المباشر على أوضاعه المعيشية، وهي قضايا في غالبيتها داخلية، والابتعاد عن الخوض في قضايا السياسة الخارجية لضعف تأثيرها على حياته اليومية وأوضاعه المعيشية، خاصة في المدى القصير.
وهذا يعني أن من المفروض أن لا تكون للحرب على العراق آثار تذكر على الانتخابات المقبلة، ولا على حظوظ المرشحين من كلا الحزبين، الجمهوري والديمقراطي.
لكن المراقب السياسي لا يسعه إلا أن يرى أن الحرب الأميركية على العراق، وما آلت إليه الأوضاع الإنسانية في الأراضي العراقية أصبحت هي القضية الأهم بالنسبة للناخب الأميركي وموقفه من الانتخابات التي ستجرى بعد أيام. وهذا دفع مرشحي الحزب الديمقراطي إلى التركيز على الفشل الذريع الذي لحق بإدارة الرئيس بوش في تعاملها مع تلك الحرب.
ومع الجرائم التي ترتكب باسم مثاليات لا وجود لها إلا في قاموس الرئيس الأميركي الذي أثبتت الأحداث المتلاحقة بُعد مفرداته عن الواقعية والمنطق والحقيقة. وفي المقابل، يقول مرشحو الحزب الجمهوري الحاكم إن الرئيس بوش وحزبه هو القوة الوحيدة القادرة على حماية الأميركيين وصيانة الأمن الوطني، وإن الديمقراطيين ليس لديهم خطة أمنية، وأنهم يعتزمون الهروب من العراق وسحب القوات الأميركية منها.
وترك العراق ساحة للمتطرفين وقاعدة لتنشئة وتدريب الإرهابيين. وحين سئل أحد المرشحين الجمهوريين عن الخطة الأمنية السحرية التي لدى حزبه، قال إن لدى الرئيس بوش خطة، لكنه لا يمكنه أن يعلنها على الملأ، وأنه لا بد من السرية لاحتفاظ الخطة بقدرتها على المفاجأة.
أما الرئيس بوش فيقول إن الناخبين الأميركيين سيحكمون على حزبه من خلال عاملين رئيسيين: الحرب على الإرهاب، وحالة الاقتصاد الأميركي. وفي هذا الخصوص يقول الرئيس إن أميركا لم تتعرض لهجوم إرهابي منذ أن قام بشن حرب على الإرهاب قبل خمس سنوات، وإن الاقتصاد الأميركي في حالة نمو وانتعاش، إذ تم خلال فترة حكمه خلق أكثر من 6 ملايين وظيفة جديدة، وأن معدل البطالة انخفض إلى 6 ,4 في المائة.
على الرغم من محاولة التركيز على القضايا الداخلية، فإن الحزب الجمهوري الحاكم يتعرض لحملة نقد حادة ومتواصلة، تتركز حول سياسة الرئيس تجاه العراق وأفغانستان وكوريا الشمالية وايران. ويلاحظ المتابع للبرامج الإخبارية والتطورات السياسية على الساحة الأميركية أن كافة البرامج والتحليلات السياسية تتضمن يوميا تحليلات موسعة ومعلومات جديدة عن حجم الورطة الأميركية في العراق، وعن عدم وجود خطة لدى الرئيس للخروج منها منتصرا، وهذا ما دفع الرئيس الأميركي إلى القول إن مفهوم النصر يحتاج إلى تعريف جديد غير تقليدي.
وفي الواقع، حتم الفشل الأميركي في العراق قيام الإدارة الأميركية بتغيير أولوياتها، واستبدال الأهداف القديمة بأهداف جديدة أكثر تواضعاً. إذ بينما دأبت الإدارة على القول في الماضي أن هدف أميركا هو بناء عراق ديمقراطي متحالف مع أميركا وشريك في الحرب على الإرهاب، استبدل ذلك الهدف ببناء نظام حكم قوي قادر على الحفاظ على وحدة العراق وصيانة سيادته والتصدي للنشاطات الإرهابية.
وهذا يعني عمليا أن برنامج الرئيس بوش لبناء شرق أوسط جديد قد ذهب في مهب الرياح، وأن الهدف لم يعد دمقرطة الشرق الأوسط، بل الحفاظ على استقراره وكسب تأييد حكامه للحرب على الإرهاب ومشاركتهم فيها. لذا يرى المراقبون السياسيون أن الديمقراطيين سيكسبون ما يكفي من المقاعد في مجلس النواب لتشكيل أغلبية برلمانية قادرة على تحدي الرئيس وتعطيل العديد من مشاريعه، وإجباره على تغيير سياسته تجاه العراق بشكل خاص ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام. ويشير تاريخ الانتخابات الأميركية إلى أن تورط الإدارة الحاكمة في حرب طويلة ومكلفة ولا تحظى بتأييد الشعب، أو تعرض تلك الإدارة لفضائح سياسية أو أخلاقية كان دوما سببا في حصول ما يشبه الانقلاب ضد الحزب الحاكم.
وكما تشير استطلاعات الرأي العام أصبحت الحرب على العراق حربا ممقوتة، وأن إدارة بوش تعرضت لفضائح فساد سياسية، كما تعرض الكونجرس لفضائح أخلاقية عديدة. وفي الواقع، أشار استطلاع للرأي العام أجري قبل أسبوعين من موعد الانتخابات إلى أن 95% من الديمقراطيين سيصوتون لصالح مرشحي حزبهم، وذلك مقابل 88% من الجمهوريين، وأن 59% من المستقلين سيصوتون لصالح الديمقراطيين، في مقابل 31% لصالح الجمهوريين.
وهذا يعطي 54% من أصوات الناخبين للديمقراطيين، مقابل 31% فقط للجمهوريين. وبناء على ذلك يرى المحللون السياسيون أن من المؤكد أن ينجح الديمقراطيون في السيطرة على مجلس النواب، ولكن سيكون من الصعب عليهم كسب أغلبية في مجلس الشيوخ، وإن كنت شخصيا اعتقد أن ذلك ممكن إذا سارت مواقف الرأي العام في الاتجاه الحالي، وازدادت الأوضاع في العراق سوءاً.
أكاديمي أميركي من أصل عربي
Professorrabie@yahoo.com