قد تحمل مناورات «الحافة البارزة» رسالة قوية إلى إيران بأن رد الفعل حيال استمرارها في تعزيز برنامجها النووي قد انتقل من دائرة «اللامقبول» إلى دائرة «المحرم». فالمناورات من حيث المنشأ تندرج ضمن مبادرة أطلقها الرئيس الأميركي جورج بوش عام 2003 لـ «العمل ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل»، أما من حيث الظرف الجاري فإنها واكبت تصاعد الخلاف بين طهران وواشنطن بعد تأكيد الأولى أنها ضخت غازا في مجموعة جديدة من أجهزة الطرد المركزي، وهو ما تراه الثانية مضاعفة لقدرة إيران على تخصيب اليورانيوم.

ومن حيث التشكيل فإن المشاركين الأساسيين في المناورات والمتمثلين في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا واستراليا، يعدون «نواة صلبة» لتحالف دولي مستقبلي ضد إيران، على غرار التحالف الذي خاض حربين ضروسين ضد العراق، خاصة أن المناورة تندرج أيضا ضمن ما يسمى «المبادرة الأمنية ضد الانتشار النووي» التي تضم ثمانين دولة.

لكن مضمون المناورة يحمل رسالة ذات دلالة أكثر من كونه استعدادا لعمل عسكري وشيك أو خلال مدى زمني قصير ضد طهران، فالتدريب مقتصر على اعتراض سفينة تنقل معدات ومواد يمكن استخدامها في برنامج أسلحة نووية، ومرسلة إلى بلد في المنطقة يشكل مصدر قلق على صعيد الانتشار النووي، وتصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش نفسه التي أطلقها قبيل المناورات اقتصرت على تحذير إيران من «عزلة دولية» إن واصلت برنامجها النووي، أما شريكه الأساسي في المناورة.

وهو الرئيس الفرنسي جاك شيراك، فغاية ما وصل إليه من موقف ضد طهران هو «عقوبات محددة ومناسبة ومؤقتة»، كما أن مشروع القرار الذي قدمته أطراف غربية إلى مجلس الأمن لم يتضمن الإشارة أبدا إلى استعمال القوة ضد إيران، بل أرجأ هذا إلى مراحل لاحقة، من دون أن ينص صراحة على ذكر مصطلح «التدخل العسكري» أو «الإجبار» بل اشترط ضرورة صدور قرار جديد من مجلس الأمن الدولي بأي خطوة تصعيدية ضد إيران.

وتحقيق أهداف «الرسالة العملية» التي تتضمنها هذه المناورات يتوقف على عوامل عدة في مطلعها نية إيران من برنامجها النووي، ودرجة شعورها أو إداركها للتهديد الذي يحيط بها، ومدى توافر فرصة بديلة مغرية لها. فإذا كانت إيران ترمي من الاقتراب من امتلاك سلاح نووي أو حيازته بالفعل، إلى خدمة مشروع سياسي كبير يقوم على دعائم أيديولوجية دينية ومذهبية، فإنه لن يكون من السهل إثناؤها عن المضي قدما في طريقها، خاصة بعد أن سنحت فرص ملموسة لتحقق هذه المشروع بعد سقوط نظام صدام حسين وانتصار حزب الله على إسرائيل.

أما إذا كانت إيران تريد تأمين نفسها بامتلاك قوة ردع ضخمة، تجعل أعداءها يفكرون ألف مرة قبل الدخول في مواجهة عسكرية ضدها، فإن مضيها باتجاه تخصيب اليوارنيوم من عدمه يتوقف على درجة التهديد التي تتعرض لها. ومن الطبيعي أن تتخذ إيران في هذه النقطة من كوريا الشمالية قدوة ومثلا، فالأخيرة ارتأت أن أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية تقتضي امتلاك سلاح نووي، وإعلان ذلك بتجربة عملية ناجحة، ثم راحت تهدد بأن فرض عقوبات عليها، حتى ولو كانت اقتصادية، يعني بالنسبة لها «عملا عدائيا» عليها أن تواجهه، الأمر الذي قد يعزز فرص الحل الدبلوماسي في المستقبل المنظور.

أما الفرصة البديلة عن امتلاك سلاح نووي بالنسبة لإيران، لن تكون أقل من وصول التهديد الأميركي لها إلى درجة الصفر، توطئة لبناء علاقات «حميمة» بين الطرفين تقوم إما على تنازل واشنطن عن بعض ارتباطاتها في الشرق الأوسط، أو إدخال إيران كجزء أساسي من هذه المصالح، بما يعود عليها بالفائدة. علاوة على ذلك تحتاج إيران إلى محفزات اقتصادية كبيرة.

في كل الأحوال فإن صانع القرار الإيراني سيأخذ بعين الاعتبار فحوى مناورة «الحافة البارزة»، مركزا على ثلاثة أمور، أولها يتعلق بالدول المشاركة في المناورة وموقفها من مشروع القرار الدولي المقدم إلى مجلس الأمن لفرض عقوبات على إيران، وثانيها يرتبط بمضمون المناورة، والذي يتجه كلية إلى القدرات النووية الإيرانية، أما ثالثها فيتمثل في مكان المناورة وهو في المياه الدولية للخليج العربي قبالة السواحل الإيرانية. وهذه الأمور تقول من دون مواربة إن واشنطن جادة في مواجهة إيران عسكريا إن أصرت على امتلاك سلاح نووي.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة