الصومال منكوبة بحروب أهلية ممتدة «15 عاما» سقط فيها نصف مليون ضحية وشردت الملايين ودمرت البنية التحتية. تلك الحروب يقودها زعماء اصطنعوا ميليشيات تعيث فساداً وتنازع الدولة سلطتها، الشعب المغلوب على أمره محاصر بثالثوث الفقر والجهل والمرض ولا قيمة لحياة إنسان إذ يقتل لأتفه الأسباب لانعدام الأمن وتوافر السلاح.
هناك الآن محنة جديدة تواجه الصوماليين، هي ميليشيات المحاكم الإسلامية الساعية لإقامة دولة دينية، لقد استولت على العاصمة «مقديشيو» وزحفت لبقية المدن وبسطت سيطرتها عليها، وها هي قاب قوسين أو أدنى من «بيداوة» مقر الحكومة المؤقتة.
أرهصت الميليشيات الإسلامية عن طبيعة أيدلوجيتها المتشددة بإصدارها مرسوم المحرمات الشبيه بمرسوم طالبان، منع الأغاني وإغلاق دور السينما، وتوقيف النشاط التجاري والمواصلات العامة خلال الصلوات الخمس وإجبار الناس للذهاب للصلاة وتطبيق الرجم، وها هي تعلن الجهاد المقدس ضد أثيوبيا وتسعى لتكوين دولة دينية تشمل المناطق التي تتحدث الصومالية «كينيا واثيوبيا وجيبوتي» تطبق الشريعة وتكون معقلا وملاذا للإرهابيين.
كل هذا يحدث على مرأى من الحكومة الشرعية العاجزة عن المواجهة، وهي تستنجد بالعرب وبجامعتهم والعرب عاجزون وجامعتهم أعجز، حتى إذا تأزمت الأمور وتفاقمت الأخطار وأصابت دول الجوار لم نجد إلا أميركا التي نشتمها ليلاً نهاراً، تطلب تدخلها كما فعلت في مشكلة الجنوب السوداني التي استمرت 20 عاما، نفس السيناريو الأفغاني مستمر ولكن بنسخة إفريقية منقحة، وسيتدخل المجتمع الدولي لمنع حروب الأخوة الأعداء، رغم تخوف المجتمع الدولي نظراً لتجربته السابقة (1993) فيما سميت (إعادة الأمل) التي انقلبت يأساً وإحباطاً، حيث قتل 18 جندياً أميركياً وافتخر زعيم القاعدة بأنه كان وراء العملية فانسحب ـ يومها ـ المجتمع الدولي تاركاً الصوماليين يقتل بعضهم بعضاً.
لقد أصبحت الصومال جيباً نازفاً ملتهباً في سلسلة الجيوب العديدة النازفة في الجسد العربي المنهك. هناك الجيب الجزائري الدامي على يد الجماعات المسلحة التي تقاتل الدولة والمجتمع (16) عاماً مخلفة (12) ألف ضحية مدنية غير (17) ألفاً من المسلحين الذين قتلوا، لا العفو أفاد، ولا مشاريع الوفاق والوئام والمصالحة المتتالية أثمرت!
وفي العراق الدامية حرب أهلية تقودها ميليشيات متنازعة ويسقط ضحايا بمعدل مئة عراقي كل يوم وألف ينزح، تتسابق الميليشيات في تقويض أركان الدولة لإنشاء كيانات منفصلة، ولولا قوات التحالف لاستقل كل بدولته الدينية، ولكن للصبر حدود، كما صرح بوش، وفي اليمن ضحايا كثر لميليشيات الحوثي التي نازعت الدولة سلطتها.
أما لبنان فحزب الله أصبح دولة يملك من الأسلحة مالا يملكه جيش الدولة، ينفرد بالقرار المصيري ويجر الكوارث ويسقط الضحايا ويشرد الآلاف، وفي النهاية يتهرب من المسؤولية ولا أحد يجرؤ على محاسبته، لقد تحصّن باسم المقاومة وأصبح سلاحه مقدساً ومسلطاً على رقاب اللبنانيين، وباسم الجهاد المقدس يمارس تسييساً إقصائياً مسلحاً ضد الدولة، وما المقاومة التي يمثلها حزب الله إلا تمويهاً لحرب أهلية مقنّعة طبقاً لحازم صاغية، وأما الميليشيات الفلسطينية التي احتربت وتجاوزت أسطورة الدم الفلسطيني خط أحمر، فما كان حربها ومقاومتها إلا من أجل السلطة.
الآن.. ظاهرة الميليشيات المنازعة للدولة سلطتها والساعية لأن تكون دولة بديلة طبقاً لـ (د. إبراهيم عرفات) تطرح على المثقفين عدة تساؤلات: لماذا انتشرت هذه الميليشيات وتعاظم دورها في الساحة؟ وما أهدافها؟ وما الجامع المشترك بينها؟.
وأتصور أن انتشار هذه الميليشيات الدينية مؤشر قوي على إخفاق العرب في عملية تكوين الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة التي ترسخ مفهوم المواطنة وقيم الانتماء وتحترم سيادة القانون وتراعي حقوق الإنسان، ويرجع هذا الإخفاق إلى علة مزمنة في التكوين المجتمعي العربي هي ضعف الخبرة التاريخية للعرب في إدارة الشأن العام (سلميا) يفسره المفكر البحريني د. محمد جابر الأنصاري بقوله (إن العرب وعلى المدى التاريخي الطويل) لم يخبروا العيش في نطاق دولة منتظمة.
ثابتة ودائمة بالمعنى الكلاسيكي المتعارف عليه للدولة بسبب عدة عوامل (التجزؤ السياسي والاحتياجات الرعوية والكيانية القبلية) أنتجت في النهاية انفصاماً بين الأمة والدولة في التاريخ الإسلامي وأوجدت واقعاً انفصالياً بين مجتمع أهلي حضري تنتج الحضارة ولا تنتج السلطة وبين عناصر رعوية عسكرية ننتج السلطة ولا ننتج الحضارة. (راجع كتابه الفذ: العرب والسياسة: أين الخلل؟).
ويوضح د. باقر النجار ـ عالم الاجتماع البحريني ـ هذا الأمر بأزمة الثقة الوطنية: السياسية والاجتماعية سواء على المستوى العمودي المتمثل في إشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع أي بين السلطة والقوى المجتمعية المؤسسية أو على المستوى الأفقي المتمثل في أزمة العلاقة بين الجماعات المذهبية والسياسية المختلفة، بعضهم ببعض.
وثقافة العرب السياسية لم تخبر إلا نمطين من الحكم: (الخلافة) التاريخية كنسق للحكم المطلق بجمع الخليفة فيه كل السلطات ويحتمي بالعصبية القبلية ذات الشوكة الغالبة والقاهرة ثم (الحكم الفردي) المستند إلى قوة العسكر، خبرة العرب تعثرت في عملية بناء الدولة الوطنية على أساس الليبرالية في النصف الأول للقرن العشرين طبقاً لوحيد عبدالمجيد وانتقل العرب كما يقول شاكر النابلسي من حكم الخلافة المطلق إلى الديكتاتورية الطاغية.
فنحن مجتمعات ولسنا دولاً طبقاً لأحمد البغدادي، ومن هنا ظهرت الميليشيات تنافس الدولة الرسمية على ولاء المواطنين وتقدم لهم خدمات عجزت الدولة عن تحقيقها كما يقول إبراهيم عرفات، ويضيف (ولهذا لم يكن عجيباً أن يربط الفكر السياسي بين ضعف الإحساس عند الناس بالمواطنة، وعجز الدولة عن إشباع احتياجاتهم).
وهدف الميليشيات الدينية ينحصر في إقامة الدولة الدينية على نموذج (الخلافة) التاريخية. ولكن لماذا الإعجاب بنمط الخلافة دون غيرها؟ بسبب الصورة المثالية المتخيلة في الذهنية الجمعية للعرب عن الخلافة، نتيجة لتأثير عاملين: الأول: الخطاب الديني الذي يمجد الماضي حيث قوة وعزة المسلمين ويقارنها بحالة الضعف والتبعية للمسلمين الآن.
والثاني: طريقة التدريس للتاريخ الإسلامي حيث يضخم الإيجابيات والنفخ في الذات باعتبارنا خير الأمم وأشرفها، ونضفي القدسية على رجالاته الأبطال دون أي فكر نقدي يوضح سلبياتهم كبشر لهم أطماعهم وخطاياهم، علماً بأن تاريخ الخلافة مجرد تاريخ تغلب قبيلة طامعة في الحكم على قبيلة حاكمة ترثها، هكذا كان الأمويون فالعباسيون فالفاطميون فالعثمانيون.
الآن ما هي الصفات والعناصر الجامعة بين الميليشيات؟
1- إن ولاءاتها عابرة لحدود الوطن إلى ايدلوجية دينية.
2- إنها تسعى لمنازعة الدولة للإحلال محلها أو تقاسم السلطة القائمة اختصاصاتها.
3- جميعها تنزع إلى المقاومة وتعلن الجهاد وتعتبر من سقط منها شهيداً.
4 ـ جميعها تريد إقصاء الشركاء الآخرين في الوطن وتمارس الاستبداد ضدهم.
5- جميعها فاشلة بامتياز في البرنامج التنموي السياسي والاقتصادي إذا وصلت للسلطة لأنها لا تجيد إلا لغة السلاح وثقافة الموت وتفجير الذات بديلاً عن الإخفاق التنموي.
6- جميعها تصطنع عدواً خارجياً أو داخلياً لتعبئة الجماهير واستمرار بقائها.
7- جميعها تخوض حروباً أهلية مقنعة باسم المقاومة التي لا يعلو صوت عليها.
8- جميعها تشكل كابوساً أسود على مستقبل الثقافة والفنون والآداب وتنتج كآبة مجتمعية عامة.
9- كلها تدعي أن فهمها للإسلام هو الصحيح.
10- وأخيراً وهو الأخطر أنها تتيح بتصرفاتها السيئة المجال للتدخل الخارجي.
كاتب قطري