من المتوقع، خلال الأسابيع القليلة المقبلة، أن تتزايد النشاطات السياسية على الساحة المحلية، وأن تبرز الكثير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتي تشكل في مجملها هموم أبناء الوطن وطموحاتهم، وفي الوقت نفسه هموم وطموحات معظم المقيمين على أرض الإمارات، والذين قد يتفاعلون بشكل من الأشكال مع تلك القضايا وخاصة في جوانبها الاقتصادية، وإلى حد ما مع جوانبها الاجتماعية، إلا أن الجانب السياسي والمتعلق بتطوير المجلس الوطني الاتحادي هو الأهم.
إن التنوع في جنسيات المقيمين في الدولة له جوانبه الإيجابية، فمن المؤكد أن بعض الدول قد مارست التنمية السياسية في مراحل مبكرة من حياتها السياسية، وبالتالي لدى مواطنيها المقيمين على أرض الإمارات تراكم يمكن الاستفادة منه، مع الأخذ بعين الاعتبار التفاوت أو خصوصية كل مجتمع، سواء في الدول العربية أم غيرها من الدول الآسيوية أو الأفريقية أو الأوروبية، أو الأميركية.
ومن هنا فإن فكرة الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى مهمة جداً، وخاصة لمجتمع مثل مجتمع الإمارات، والذي أكد بشكل ملموس على أنه قد استفاد سابقاً من تجارب الآخرين في كثير من القضايا التربوية والاجتماعية والاقتصادية، وتحاشى الوقوع في الأخطاء القاتلة التي مرت بها مجتمعات أخرى، سواء على المستوى الإقليمي أو القومي أو حتى العالمي.
إن التجربة الديمقراطية الجديدة في دولة الإمارات قد تكون استفادت من تجربة تلك الدول في طريقة انتخاب المجلس الوطني، حيث أفسحت المجال أمام توفر التنوع والتعددية في المجلس الجديد، وهذا ليس طرحاً مبالغاً به، بل على العكس من ذلك، فإن دولة الإمارات بشكل عام وإمارة دبي بشكل خاص، قد أدركت منذ عدة عقود من الزمن أهمية التخطيط لمرحلة ما بعد النفط، وخاصة أنها من المدن الخليجية التي مرت بتجربة المشاركة السياسية منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
إلا أن الظروف الدولية إضافة إلى عوامل أخرى إقليمية ومحلية آنذاك حالت دون استمرارها في تلك التجربة. لقد كانت دولة الإمارات صاحبة رؤية متميزة فيما يتعلق بالدور المهم الذي يمكن للقطاع الخاص أن يلعبه في مجال الخدمات، سواء في مجال توفير الطاقة الكهربائية وغيرها، لقد كان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، مؤسس دبي الحديثة، سباقاً في تبني هذه الرؤية.
من الواضح أن موضوع التنمية السياسية ينسحب على الكثير من الملفات، سواء في المجال السياسي أم الاقتصادي أم الاجتماعي، وذلك يعني بشكل واضح لا لبس فيه أن ما طرحه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بن سعيد آل مكتوم، هو حصيلة لذلك التأريخ السياسي لمجتمع الإمارات. وإن الأوان قد حان لغرس بذور الديمقراطية في أول تجربة اتحادية ناجحة في الوطن العربي.
وربما في العالم الثالث، من أجل تعزيز لحمة البناء الاتحادي وتزويده بالمزيد من المناعة وبالتالي المزيد من فرص التطور والنمو. ان التكتل السياسي المنسجم المتمثل في الدولة الاتحادية هو الذي يصنع المستقبل وبالتالي فإن الديمقراطية هي الطريق الأمثل لإشراك أوسع قطاع من المجتمع في صناعته.
في هذه اللحظة من التجليات الذهنية التي خصصت لها أجواء خاصة لأفكر بصوت عال، برز ذلك الإنسان الذي يشكل علاقة الحب والكراهية في آن واحد، والذي اعتاد على مناكفتي في المفاصل المهمة وقال: ماذا تريد أن تقول في هذه المساحة البسيطة من الجريدة؟ ألا تعتقد ان الأمور محسومة، وان نتائج الانتخابات قد حسمت منذ صدور اللوائح الانتخابية، وأن فرص الفوز معلومة، وأن فرص المرأة قد تكون محدودة كما هي الحال في التجارب الأخرى، وأن الظروف الاجتماعية ربما تكون العقبة الرئيسة أمام الحديث عن التطور؟
وهنا برزت الشخصية الصدامية أمامي، والتي ربما تكون قابعة في العقل الباطن، وساد الجو الإيجابي الذي صنعته خصيصاً لاحتضان أفكار أحرص على احتضانها بعناية فهي لا تزال طرية، قدر من التوتر والاضطراب وربما الحيرة القاسية، وهي من السمات التي لا أرغب أن تظهر على السطح.
سيدي أيها المزعج، إن الإمارات من الدول التي آمنت بالمساواة، حتى ان الوافدين يدركون أنهم يعيشون في دولة تعطيهم حقوقهم قبل الآخرين، وإن الفرص متساوية أمام الجميع !!، كما يدرك جميع القاطنين على أرض الإمارات ان الإنسان هو المهم أياً كانت جنسيته أو عرقه أو انتماؤه ما دام مؤمناً بأن الإمارات بلد التعايش للجميع، وان الأمن والاستقرار فيها من مصلحة الجميع، على الرغم من وجود قلة لا ترى ذلك.
وهنا أدركت أن ذلك الصديق قد وصل إلى ما يريده، قلت له: ألا تدرك أن القيادة السياسية تحاول أن تحل مشكلة البدون؟! أولئك الذين عاشوا مأساة عمرها أكثر من ثلاثة عقود في دول مجلس التعاون، والتي تعاني من مشكلة سكانية سواء في الكويت أم البحرين أم قطر، وهذه المشكلة تتمثل في وجود مواطنين من دون حقوق؟ في حين أن القيادة الشابة في دولة الإمارات قد عالجت هذه المشكلة بصورة حضارية، فلم تعد هنالك فئة تسمى «البدون»، إنها حكمة قيادة ترى أن الوطن للجميع.
هنا اعتدلت في جلستي، واتخذت الوضع الطبيعي لإنسان في مثل سني، قد أكون محقاً أو لا أكون كذلك، إلا أن هموم التنمية السياسية والتي تعتبر هدفاً للجميع عادت إلى الساحة الأساسية، إذن نحن أمام تحد جديد يحدد وجهة المستقبل.
ستؤكد الأيام المقبلة على أن التنافس الحقيقي هو بين من يمسك بنا ويجرنا نحو الماضي، وبين من يمضي بالوطن والمواطن نحو مستقبل أكثر إشراقاً، هو صراع بين مرحلتين، تكون الغلبة فيه لمن يركب قطار الجديد، وأن يكون للمرأة دور مهم في هذه المرحلة، وأن من كانت تسر الحزن هي التي ستؤدي الدور الأهم في مستقبل هذه الأمة.
وحدة الدراسات والبحوث
almutawa@albayan.ae