مشكلة شباب المهاجرين في فرنسا لها أكثر من جانب. لكن الجانب الأهم هو ما يمكن أن نطلق عليه «القبول الاجتماعي»، وهو القضية التي تستعصي على القانون، بل حتى على الإجراءات الاقتصادية الاستثنائية.

هؤلاء الشباب، ومعظمهم من أصل افريقي، مواطنون بحكم القانون في دولة تعتبر أعرق الديمقراطيات في الغرب، وبالتالي فإنهم يتمتعون بممارسة كافة الميزات التي يوفرها نظام ديمقراطي متقدم من حيث الحرية والمساواة. فأين المشكلة؟ وما الذي يدفع هؤلاء الشباب في الضواحي الفرنسية إلى ارتكاب أعمال شغب من حين لآخر أبرزها إحراق الحافلات العامة؟

ظاهرياً تبدو المشكلة وكأنها محصورة في ظاهرة البطالة المزمنة التي أصبحت تعانيها أجيال متعاقبة من شباب المهاجرين.

لكن لو كان الأمر بهذه البساطة لما تفاقمت المشكلة وتعمقت مع مرور الزمن. فبوسع الدولة الفرنسية أن تضع وتنفذ برامج لتدريب الشباب المهاجرين على مختلف المهارات التي تتطلبها حركة سوق العمل وبرامج موازية لخلق وظائف متجددة. كما بوسع الدولة أن تشرع قوانين تمنع التمييز على أساس عنصري في استخدام العاملين سواء على مستوى مؤسسات القطاع العام أو شركات القطاع الخاص.

وبالفعل يمكن القول إن الدولة في فرنسا قطعت شوطاً بعيداً في هذين الاتجاهين.

مع ذلك لا يزال شباب المهاجرين فئة تعاني حالة اضطهاد عام.

لماذا؟

لأنها ليست مقبولة اجتماعياً لدى المجتمع الفرنسي العريض. وهذه معضلة لن يحلها القانون.

أجل هناك قوانين سارية تحظر التمييز على أساس عنصري (وتعاقبه إذا حدث) ليست فقط في قطاع استخدام طالبي العمل بل في كافة قطاعات الحياة. ولكن مع ذلك بوسع المخدوم الفرنسي الأبيض أن يتحايل على القوانين بوسائل ذكية لا حصر لها.

ولو اقتصر التمييز على قطاع الاستخدام لهانت المشكلة نسبياً. فالمشكلة الحقيقية لدى الشاب المهاجر ليست التمييز الوظيفي بقدر ما هي التمييز الاجتماعي الذي يصدمه أينما يذهب.

هذه مسألة يعجز القانون عن معالجتها مهما كان دقيقاً في الصياغة وصارماً في العقوبة. فالقانون مثلاً لن يستطيع أن يفرض على طالب جامعي أبيض أن يكون من بين أصدقائه في الحياة الجامعية طالب أسود. وليس من المعقول أن يكون هناك تشريع يعاقب فتاة بيضاء لرفضها أن تكون صديقة لشاب أسود.

وقس على هذا المنوال ما يجري في قطاعات الحياة الاجتماعية الأخرى.

ربما يأتي يوم في المستقبل البعيد يتلاشى فيه تماماً عن مجتمع غربي كالمجتمع الفرنسي التعامل التمييزي على أساس العنصر أو اللون. لكن قد يمتد الفاصل الزمني لمثل ذلك اليوم إلى مئة سنة!

إنها معضلة التباين الثقافي الحاد داخل المجتمع الواحد. وهي معضلة لا ينفرد بها المجتمع الفرنسي.