يبدو ان الخطاب السياسي اللبناني هذه الأيام، أخذ في الانزلاق نحو حالة من التشنج غير المسبوق، مفرداته مستقاة، أكثر ـ بل أخطر ـ من أي وقت مضى، من معجم التأزيم والتصعيد، الأمر الذي أدى إلى ان فسحة التفاهم باتت تضيق بسرعة وفجوة التباعد تتسع بأسرع، وربما قاربت الوصول إلى حدودها القصوى وهذا ما يفسر غياب لغة التهدئة وضمور خطوط الحوار؛ ليحل مكانهما التخاطب بالبدائل، وأخطرها التهويل بالشارع والشارع المضاد. وذلك تطور مقلق، في ساحة لها تجربة مريرة ومكلفة جدا مع هذا الخيار وهي الآن تمر فوق جسر، يمتد فوق هوة ولا يحتمل أي اهتزاز.

لبنان يجتاز مرحلة إعادة نهوض، بعد زلزالين: اغتيالات عام 2005 وعدوان إسرائيل، صيف 2006.حمولة هذين الحدثين ثقيلة عليه، الملفات كثيرة ومن العيار غير الاعتيادي، كلها مشحونة بالحساسيات والتعقيدات والمداخلات. المحاولات لم تتوقف لحلحلة الصعوبات ومعالجة القضايا الخلافية؛ السياسية بامتياز، ساحته شهدت توترات وكذلك استقطابات حادة؛ وضعت البلد في حالة جمود، اقرب إلى الشلل.

عاش لبنان ـ ولا يزال ـ تلك الفترة في حال من الترقب المشدود والمفتوح على كل شيء. لكنه بقي بعيداً عن الخطوط الحمر. معلق بحبال الهواء وبوعود الانفراج، وفي كل مرة كان الاحتقان يرتفع منسوبه إلى فوق المقبول، كان سرعان ما يستدرك الأمور بحيث تبقى بعيدة عن الشارع. لجأ إلى مخرج طاولة الحوار الوطني، الذي تواصل لمدة أشهر، قبل الحرب، ونجح في تنفيس التوتر. وحتى عندما كان يستعان بالشارع، بقي ذلك محصورا بالمهرجانات والمناسبات، اقتصر التراشق على جبهات الميكروفونات والشاشات ومع ذلك تواصلت خيوط التحاور والتشاور؛ ولو بالواسطة.

الخطير اليوم، ليس فقط ان معظم هذه الخيوط بات مقطوعاً، بل أيضا ان الاستعانة بالشارع تحولت إلى تلويح بتوظيفه لتحقيق مطالب سياسية، كما للرد على هذه المطالب. صحيح ان لبنان اكتسب مناعة، دفع ثمنها غالياً، ضد الاندفاع إلى هذه الوسيلة، لكن الخشية ان النزول إلى الشارع في هكذا أجواء وأوضاع وانقسامات حادة يعيشها البلد، ينطوي على تهديد لهذه المناعة واحتمال الإطاحة بها تحت وطأة سخونة اللحظة المشحونة بكل عوامل التفجير.

يزيد من درجة هذا الخطر، ان لبنان يقف الآن على عتبة استحقاقات كبيرة؛ هي موضع خلاف وصراع عميقين، بين اللبنانيين. فالشارع ورقة مغرية، لكنها مؤذية إذا ما خرجت، أو تم اخراجها، عن السيطرة ولا شأن، لحسن النوايا في ذلك فالمسألة تتعلق بالقدرة على الاحتواء. وليس سراً ان الساحة اللبنانية مكشوفة، قوات اليونيفيل لم تستكمل انتشارها بعد، وإسرائيل تواصل عدوانها اليومي بخرق الأجواء والمياه اللبنانية، لم تغادر بعد نقاطاً حدودية، مثل قرية الغجر.

وبالتالي فان اللجوء إلى الشارع، مهما كانت خلفيته مشروعة، يبقى في أحسن أحواله، سلاحا بحدين. لذا فان مراعاة الظروف الراهنة للبلد، تتقدم على مشروعية أي تحرك. فلا ينفع ان تكون الخطوات مقبولة، الأهم ان يتقبلها الوضع؛ فلا تكون مجازفة من النوع المنطوي على احتمال ولو بسيط، الإطاحة بالشارع وبالبلد معاً. فلبنان لا يستحق أي شيء من ذلك.