هناك فارق كبير بين الوضع العراقي، بعد الاحتلال، وأفغانستان التي تعيش ذات الحالة، إذ بين البلدين تباعد كبير بالأهمية الاستراتيجية، والاقتصادية، والتأثير على الأمن العالمي من كل جوانبه.
فالعراق يأتي ثاني أو ثالث بلد في احتياطيات النفط، وحدوده الواقعة على أكبر قوتين إقليميتين، هما إيران وتركيا، وتجذره العميق عربياً، وإسلامياً، وثرواته الأخرى من مياه ومعادن وتراث حضاري هائل تضعه في مراتب المواقع الحساسة، ولعل أهداف احتلاله.
لم تكن فقط تحرير العراقيين من دكتاتورية صدام، لأن دكتاتورية كاسترو، مثلاً أكثر خطراً على أمريكا، وكذلك كوريا الشمالية، لكن موارد النفط الهائلة التي ترجح أي قوة تهيمن عليها.
جاءت الدافع الأساسي للاحتلال، حتى لو قالت أميركا وبريطانيا بعكس ذلك، إلا أن التورط في بيئة عراقية منقسمة على نفسها لأسباب أثنية وقبلية، وقومية، خلق اعتقاداً خاطئاً بأن مجرد إزالة حكم صدام سوف يوفر بلداً يملك ثروات هائلة تضعه ركيزة لسياسة أميركا في المنطقة.
والتي كان أهم أهدافها تقسيم البلد العربي الواحد إلى شرائح، وكانتونات يسهل التعامل معها بمنطق القوة، إلا أن هذه النظرية سقطت عند أول احتكاك بين القوة الغازية والمواطن العراقي وهنا جاءت الرغبة الأميركية بالتعامل مع الشيعة من منطق أنهم المحرومون من خيرات بلدهم والمشاركة بالسلطة، وأيضاً اعتبارهم النسبة الأكبر في تعداد السكان، إلا أن هذا التحالف، إن جاز المنطق، بدأ يتبعثر لأن الخلافات التي ظلت راقدة داخل المذهب الواحد، تحولت إلى صراع داخلي، ومجابهة مع معسكر الاحتلال، ومؤيديه..
اعتراف بوش بحقائق الواقع القائمة على الأرض، لم يغير من طبيعة الموقف، إذ أن الوسط أصبح بيد القاعدة، والجنوب متذبذب بين هيمنة إيرانية، ومظهر للعروبة يعيد سيرة الصراع التاريخي بين العرب والفرس، وهنا جاء خيار أميركا الأخير أن تقسيم العراق على قواعد المذاهب، والقوميات، قد يخلق حرباً داخلية بأنصار من مختلف القوى الإقليمية والعالمية.
أفغانستان لا تزال بلداً يفتقر لمقومات اقتصادية واجتماعية تقودانه للاستقرار، أي أنها مثلما كانت عبئاً على السوفيات حين احتلوها، صار وضعها مع أميركا مماثلاً لتلك الحالة، وكل ما يضعها في قوائم الأهمية، أنها حضانة جيدة للتطرف، ومصدر خطير للمخدرات، وقلق من تمددها على بلدان الجوار، وخاصة باكستان التي تتداخل معها قبلياً وجغرافياً، وهي بالتالي ليست الهاجس الخطير لأميركا، إلا من زاوية أن معظم سجناء (غوانتانامو) تدربوا وتتلمذوا على يد المدرسة الأفغانية.
عموماً الواقع الراهن للاحتلال خرج من المباهاة بالانتصار، إلى المحاسبة فهل تكون أميركا ضحية تصورات وتهيؤات قادتاها إلى هذه المستنقعات الخطرة؟!