ليس من المبالغة في شيء القول بأن «اعلان اليكانتي» الذي صدر في نهاية اجتماعات المنتدى المتوسطي، الذي يضم 12 دولة من دول حوض البحر الابيض المتوسط، التي عقدت في اسبانيا قد عبر على نحو واضح عن ما تحتاجه منطقة الشرق الاوسط، وبالتحديد على صعيد صنع السلام في المنطقة، وهو «عملية سلام ذات مصداقية».
ففي حين أكد ممثلو الدول المشاركة وهي فرنسا واسبانيا وايطاليا واليونان وتركيا ومصر والمغرب وتونس والجزائر ومالطا والبرتغال على خطورة الاوضاع الحالية في المنطقة نظرا لغياب الافق السياسي او بمعنى آخر الامل في الخروج من حالة التدهور الراهنة، فإن الهدف الذي التقت عليه الدول المشاركة هو وضع حد للمأساة التي يعيشها الشرق الاوسط على حد تعبير وزير خارجية اسبانيا ميجيل انخيل موراتينوس الذي يعرف المنطقة جيدا بحكم خبرته واحتكاكه بها لسنوات طويلة .
وفي ظل الاوضاع الراهنة والتي ندركها جميعا فان اعلان اليكانتي كان شجاعا وواضحا في الاشارة الى حاجة المنطقة الى عملية سلام ذات مصداقية . صحيح ان الدول الاثنتي عشرة والتي تجمع عددا من اهم الدول الاوروبية والعربية قد اكدت على الحاجة الى اعادة تنشيط خارطة الطريق واعادة النظر فيها، وهو تعبير ديبلوماسي لا يضع خارطة الطريق جانبا لأن واشنطن لن توافق على ذلك على اي نحو برغم ان اسرائيل هي المسؤولة عن تجميد خارطة الطريق منذ البداية وحتى الآن، ولكن الصحيح ايضا هو ان المنتدى المتوسطي وضع الاصبع على الجرح بشكل مباشر بالحديث عن الحاجة الى المصداقية لان ذلك هو بالفعل ما تفتقده حتى الآن العديد من مقترحات ومشروعات وتحركات السلام في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
نعم جاءت خارطة الطريق وبحماس وتاييد الاطراف الدولية المؤثرة ورعايتها بمن فيها الولايات المتحدة بالطبع، ولكن ماحدث هو ان طرفا واحدا هو اسرائيل استطاع ان يجمد خارطة الطريق بل ويضعها في عداد الماضي بسبب سياساته ومخططاته وبسبب السكوت الدولي ايضا عن ممارساته وانتهاكاته المتواصلة لكل الاعراف والقوانين والقرارات الدولية . ومن هنا تحديدا تفقد مشروعات وخطط السلام وجهوده المصداقية والثقة فيها.
ومع ان المنتدى المتوسطي لا يريد ان يلغي خارطة الطريق، خاصة انه لايستطيع ذلك بالطبع، فان الدعوة الى عملية سلام ذات مصداقية تعكس عمق الشعور العربي والاوروبي بالحاجة الى تحرك جاد ومؤثر وملموس لتحريك عملية السلام مرة اخرى، ليس امام الكاميرات او على القنوات الفضائية او من خلال البيانات ولكن من خلال خطوات عملية قادرة على ان تعيد الامل في افق سياسي للشعب الفلسطيني الذلي يتعرض يوميا للاجتياح من جانب الآلة العسكرية الاسرائيلية الغاشمة ودون ان يتحرك او يعترض كثيرين حتى في الامم المتحدة .
اذا كان من المؤكد ان الاوضاع في الاراضي الفلسطينية والصدامات بين الاشقاء تهيئ فرصة مواتية ومريحة لاسرائيل لتتهرب من استحقاقات عملية السلام بحجج كثيرة، فلعل الانباء التي تتحدث عن قرب التوصل الى اتفاق بين حركتي فتح وحماس لتشكيل حكومة فلسطسنية قادرة على ادارة الشؤون الفلسطينية وفك الحصار الحالي، لعل هذه الانباء تصدق وتتحقق عمليا باعتبارها خطوة هامة لحل عدة مشكلات على الصعيد الفلسطيني .
على صعيد اخر فان مسؤولية كبيرة تقع بالضرورة على عاتق الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الاعظم في عالم اليوم وعلى عاتق اللجنة الرباعية الدولية كذلك من اجل احياء عملية السلام مرة اخرى وعبر اجراءات ومواقف تتسم بالمصداقية خاصة لدى شعوب المنطقة التي خبرت الكثير من الصيغ والمقترحات ولكنها سرعان ما تتبدد او تتجمد ومن ثم تفقد بالفعل مصداقيتها والامل فيها .