مع نهاية هذا العام 2006 سترى النور في روسيا بورصة لعقد صفقات بيوع الغاز الطبيعي الفورية والمستقبلية. وفي منتصف ابريل الماضي أعلن نائب مدير دائرة التحكم الحكومي بالتعرفات والإصلاحات البنيوية التحتية في وزارة التنمية الاقتصادية ألكسندر غلادكوف أن الحكومة الروسية كلفت وزارة التنمية الاقتصادية والخدمة الفيدرالية لشؤون الأسواق المالية البدء في التحضير لإنشاء أول بورصة نفطية في روسيا الاتحادية، على أن تبدأ العمل مع نهاية العام المقبل 2007. ومن المخطط له أن تشمل المضاربات إلى جانب النفط الخام منتجات نفطية أخرى : البنزين، كيروسين الطائرات، وقود الديزل والمازوت.
ومنذ سنوات كانت روسيا قد شرعت في اعتماد عملة اليورو كوحدة حسابية في معاملات النفط إلى جانب الدولار الأميركي، ثم خطت خطوة تهيئة بجعل الروبل عملة حرة قابلة للتحويل. وكما في إيران ظلت فكرة إقامة بورصة نفطية تدور في خلد المسؤولين الحكوميين الروس منذ زمن طويل. وقد قام بدراستها في السنوات الأخيرة عدد من فرق العمل التي ضمت خبراء من الخدمة الفيدرالية لمناهضة الاحتكار ووزارة التنمية الاقتصادي، وزارة الطاقة والصناعة وغيرها.
الدولة اليوم هي أكبر منتج للنفط في روسيا. وبصفتها مساهم في شركة «غازبروم» و«روسنيفت» تسيطر على إنتاج نفطي بحجم 130 مليون طن في السنة، وهو ما يستطيع تأمين الحجم اللازم للقيام بمضاربات نفطية. وبناء على ذلك ستتمكن أيضا الشركات التي تملك الدولة فيها أسهما من الدخول في معاملات البورصة.
وفي بداية هذا الشهر، أكتوبر 2006، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزراء حكومته في الكرملين واستمع إلى تقاريرهم بشأن الوضع الاقتصادي، وبشكل خاص تقرير وزير التنمية الاقتصادية غيرمان غريف الذي أعلن بشأن التكليف بإنشاء بورصة النفط أن «العملية تسير بوتيرة أسرع مما كان قد خطط لها : «سنعمل على أن تبدأ المعاملات مع نهاية العام 2007».
وقال غريف : «نحن نخطط لإطلاق تجارة بيوع النفط المستقبلية «ريبكا» في بورصة نيويورك. وبقدر ما سيتحول هذا العقد إلى أداة تجارية فعلية فسيتم بعد ذلك تحويل هذا العقد المستقبلي إلى البورصة الروسية». ( المصدر : موقع القناة الفضائية الروسية الأولى على الإنترنت، 9 أكتوبر 2006). ولا يزال لم يتخذ قرار بعد حول ما إذا كانت معاملات تجارة النفط ستجري في صالات المضاربات العاملة حاليا أم أنه ستنشأ لها صالتها الخاصة.
أعجب بوتين ووزراؤه بالاسم الرمزي «ريبكا» الذي أطلقه الخبراء، والذي يذكر بقصة شعبية روسية تتحدث عن فاعلية العمل الجماعي، وقال بوتين بارتياح بأن لهذا الاسم وقعا طيبا على الأذن الروسية. وعلى هامش اللقاء شرح الضالعون في تفاصيل عالم النفط للصحافيين إيتيمولوجيا (أصل الكلمة) هذا المصطلح الاقتصادي الجديد. إنها تعني الجذور، لكنها في نفس الوقت تشكل مختصرا من الحروف الأولى لخمس كلمات إنجليزية «REPKA» وتعني بالترجمة التقريبية «مزيج النفط الروسي المصدر».
ترى ماذا تعني بورصة النفط للاقتصاد وصناعة النفط الروسية؟ حسب غلادكوف تعول الحكومة على أن إنشاء البورصة سيسمح قبل كل شيء بإيجاد آليات شفافة، ليست موجودة الآن، تتشكل بموجبها أسعار النفط. ويجري الحديث على وجه الخصوص عن المشتريات الحكومية التي تهيمن في السوق دون هدي سعري محدد.
ويبدو أن الحكومة الروسية ستحاول عن طريق معاملات النفط البورصوية الداخلية التخطيط لتقليص فارق الأسعار بين صنفي Brent ( مزيج نفط بحر الشمال) وUrals ( الماركة التي تمثل النفط الروسي في السوق العالمية تقليديا). مثل هذه المهمة كانت قد أسندت لوزارة التنمية الاقتصادية في الخريف الماضي من قبل رئيس الدولة. واعترف المسؤول الروسي غلادكوف بأن معالجة الأمر لا تقتصر على إنشاء البورصة فقط.
سيتطلب الأمر أيضا إيجاد ما يسمى بالصنف المعياري للنفط الروسي ذي النوعية القياسية المحسنة. ويتم تحسين جودة النفط الروسي عن طريق حفز تكرير أكثر عمقا للنفط المحتوي على نسبة عالية من الكبريت المستخرج من مناطق بشكيريا وتتارستان الإسلاميتين. ولهذا الهدف يزمع زيادة قدرات مجموعة أوفيم لمصانع تكرير النفط. وبمساعدة أموال صندوق الاستثمار يفترض بناء مصنع نيجنيكامسكي لتكرير النفط بطاقة 7 ملايين طن في السنة.
عندها قد يختفي النفط الثقيل من السريان عبر أنابيب نقل النفط ما سيعني أثرا إيجابيا على ماركة Urals. وعندها أيضا قد يشكل « Urals الجديد» أساسا للإمدادات النفط العالمية. ومن أجل تشكيل مسطرة معيارية للنفط الروسي المصدر سيتم «إدخال» آليات ضريبية أيضا. إن المحكات الأساسية للاعتراف بصنف محدد من النفط على أنه القياسي في العالم هما شرطان على الأقل : الكميات اللازمة من النفط المعني ووجود معاملات بورصة مفتوحة في سوق السلع، حيث يمكن أن يحل صنف محل آخر بمواصفاته المماثلة.
وبعد أن أصبح الروبل في الفترة الأخيرة عملة قابلة للتحويل فإن بورصة النفط الروسية ستنتقل من الدولار فاليورو إلى الروبل أخيرا كوحدة حسابية نقدية للتعاملات على حلبتها. ويعتقد أركادي درافكوفيتش، رئيس إدارة الصادرات في إدارة الرئيس بوتين أن قيام بورصة النفط التي تعتمد عملة الروبل ستتيح الإمكانية لتقييم سعر النفط الروسي بموضوعية واستقلالية أكبر، وستخلق طلبا إضافيا على الأصول من الروبل وتصبح حافزا أكثر فاعلية لتشكل سوق داخلي لمواد الطاقة في روسيا. ( المصدر : rian.ru، 9 يوليو 2006).
العالم كله فزع إزاء تدهور سعر صرف الدولار الأميركي. والبلدان المنتجة والمصدرة للنفط يجب أن تكون الأكثر فزعا لأن نفطها لا يزال يباع مقوما بهذه العملة المضطربة. وها نحن نرى أنه إلى جانب بورصات النفط التقليدية في نيويورك ولندن وطوكيو وسنغافورة بدأت «تنبت» بورصات نفطية في مواطن النفط من حولنا. هل ستظل أرض الخليج قاحلة بهذا الصدد، أم أن المحاولات التي تشهدها دبي مدعومة من السعودية ومبادرات رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد تشكل الخطوات الأولى على هذا الطريق ؟ هذا ما يجب متابعته لاحقاً.
كاتب بحريني
