أخيراً اعترف الرئيس الأميركي جورج بوش أن الحرب في العراق تشبه الحرب في فيتنام معيدا إلى أذهان الأميركيين شبح تلك الحرب التي انتهت بهزيمة مذلة للولايات المتحدة الأميركية عام 1975 أمام ثوار الفيتكونخ وسقوط فيتنام الجنوبية بقبضتهم وتوحيد فيتنام بعد انسحاب على عجل للقوات الأميركية منها.
وما كان بوش ليجبر على هذا الاعتراف لولا الخسائر الجسيمة التي تتكبدها القوات الأميركية المحتلة للعراق منذ العام 2003 والتي وصلت إلى أكثر من مئة قتيل خلال شهر أكتوبر الحالي والذي لم ينته بعد حيث سقط في يوم واحد ثمانية جنود قتلى مما يرفع عدد الجنود القتلى في صفوف القوات الأميركية إلى أكثر من 2800 قتيل بالإضافة لآلاف الجرحى والمعوقين.
ويجيء ارتفاع حجم الخسائر الأميركية قبل عشرة أيام من موعد انتخابات الكونغرس النصفية والتي تشير التوقعات إلى احتمالات فوز الحزب الديمقراطي بها وإنهاء سيطرة الجمهوريين على المجلسين فيما تتدنى شعبية الرئيس بوش إلى الحضيض، وسط ضغوط شعبية متزايدة لسحب القوات الأميركية من العراق وعودة الجنود إلى بلادهم قبل ان يعودوا نعوشا وتوابيت. وقد طالبت بعض عائلات القتلى بوش بإرسال ابنيته إلى العراق حتى يشعر بمعاناة الآباء والأمهات الثكلى.
واليوم باتت ادارة بوش مقتنعة أكثر من أي وقت مضى باستحالة حسم الأمور عسكريا في العراق وهذا ما أعلن عنه وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد مؤخرا بان الوضع في العراق ليس فقط عسكريا وإنما له جوانب سياسية واجتماعية أيضا. كما كلف بوش وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر بالبحث في إيجاد سبل ومخرج «مشرف» من العراق بالرغم من تهرب بوش من تحديد جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية من هناك واستبدال ذلك بعبارة مبهمة هي تحديد معايير لقياس التقدم.
وكذلك الحديث عن وعد بتغيير تكتيكاته في العراق دون المزيد من الإيضاح. فيما تضغط الإدارة الأميركية على حكومة نوري المالكي لتسلم زمام الأمن في العراق وتجبره على إصدار بيان مشترك قبل يومين مع خليل زاد السفير الأميركي في العراق بإعداد جدول زمني لإحراز تقدم امني في العراق.
لكن ما هي الخيارات المتاحة أمام بوش او التي يمكن ان يقدم عليها لإنهاء الوضع في العراق؟ يضع المحللون ثلاثة خيارات:
أولها إبقاء الوضع على ما هو عليه حتى انتهاء فترة ولايته في مطلع العام 2009. والخيار الثاني هو تصعيد الموقف عسكريا وإرسال المزيد من الجنود املا في كسب المعركة عسكريا- وهو ما يعلنه بوش بأنه لا خيار غير النصر في العراق. والخيار الثالث هو الانسحاب من العراق ولكن هناك مصير آخر لا يمكن تجاهله وهو الهزيمة والإجبار على الانسحاب بالقوة تحت ضغط المقاومة العراقية وتزايد الخسائر البشرية.
والشعب العراقي بأغلب فئاته يقف ضد الاحتلال الأميركي لبلاده ويطالب بخروج القوات الغازية ، ففي استطلاع للرأي أجرته جامعة ميريلاند ونشر في أكتوبر الحالي أعلن 70% من العراقيين الذين شملهم الاستطلاع تأييدهم للانسحاب الأميركي من العراق فيما قال 78% منهم ان الاحتلال الأميركي يعتبر مسؤولاً عن انتشار العنف والإرهاب في البلاد. فبعد ثلاثة أعوام ونصف العام اتضحت الحقيقة لكل من كان على عينيه غشاوة وما عادت تنطلي على احد معزوفة نشر الديمقراطية المزعومة ومحاربة الإرهاب.
والسؤال إلى متى تستطيع القوات الأميركية البقاء في العراق ؟ لا نعتقد ان بقاءها هناك سيطول لان حالة السيطرة والهيمنة والتفرد الأميركي لن تبقى طويلا ففي أفغانستان نشهد انحسارا لهذا الوجود إزاء سيطرة حركة طالبان على عدة أقاليم فيما تعلن كوريا الشمالية عن إجراء تجاربها النووية بالإضافة لملف إيران النووي والتمرد الأوروبي على السياسة الأميركية وعدم الاتفاق معها في كثير من القضايا وبدء بروز وتنامي الشراكة الروسية الصينية والشراكة الفرنسية الروسية.
فضلا عن الهزيمة التي منيت بها حليفتها إسرائيل خلال عدوانها الأخير على لبنان رغم الدعم العسكري والسياسي لها. بتوحد الشعب العراقي بكل فئاته وتمسكه بالحفاظ على وحدته الوطنية ورفض النزعات الطائفية وإبعاد شبح التقسيم والالتفاف على برنامج وطني لمقاومة الاحتلال والتصدي له فان أيام الوجود الأميركي في العراق ستكون قصيرة وسنشهد يوما آخر شبيها بما حدث في فيتنام.