تشير المعطيات اليومية في الداخل الفلسطيني، بأن حالة الافتراق الفتحاوي الحماسي لن تطول كثيراً، فالجهود المبذولة مازالت مستمرة لجسر الهوة بين الطرفين الأوسع نفوذاً في الساحة الفلسطينية، بالرغم من الأحاديث والتصريحات الإعلامية غير المسؤولة التي تصدر أحياناً كثيرة على لسان البعض، ونقول البعض، من أصحاب الرؤوس الحامية في مراكز القرار الفتحاوي الحمساوي على حد سواء.
المعطيات المشار إليها تزكيها الإرادة الوطنية المخلصة النابعة من الحرص الشديد من قبل غالبية القيادات المسؤولة غير الموتورة في الطرفين، فالافتراق الفتحاوي الحماسي، ومخاطر الفتن الداخلية لن توفر أحداً في حال أتيح المجال أمام عبورها إلى الشارع الفلسطيني، وعندها سنكون أمام أيام سوداء في التاريخ الوطني الفلسطيني، والكارثة حينئذ ستصيب الجميع دون استثناء.
وانطلاقاً من الحيثيات إياها، فإن المخرج الحقيقي للأزمة الفلسطينية الطاحنة، يكون بالضرورة في إعلاء صوت العقل، والحكمة في إدارة الخلافات والتباينات وصولاً إلى التوافق على أساس ما تم انجازه خلال الفترة الماضية استناداً إلى وثيقة الأسرى المعدلة. وقبل كل شيء في تسهيل نجاح المبادرات المقدمة من قبل بعض الأطراف العربية التي تربطها بالطرفين الفلسطينيين (حماس + فتح) علاقات جيدة، واستكمال المساعي الخيرة التي تبذلها أطراف عربية مؤثرة تحتفظ بعلاقات ايجابية مع مختلف الأطراف الفلسطينية.
ان حركة نشطة تطل الآن، وكلها تقدم أفكاراً بناءة قد تقود نحو الحل من نمط حكومة التكنوقراط المطعمة بأعضاء المجلس التشريعي من مختلف القوى، في مساع قد تكون مساعي اللحظات الأخيرة لوأد أزمات الفتن الداخلية الفلسطينية، وفي هذا المجال يقع على السلطة الفلسطينية وحركة فتح ضبط أوضاعها في الداخل لجهة وقف حالات التظاهر المسلح وحرق الممتلكات العامة والاعتداء عليها كما حدث سابقاً،
كما على حركة حماس الاستمرار في تقديم سياسة براغماتية معقولة تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة مع ضرورة تجنيب البيت الفلسطيني حالة توسيع التباينات الداخلية. وفي هذا السياق فإن الاشتراطات الدولية، وهي اشتراطات أميركية إسرائيلية أساساً يمكن أن تجد مخارجها فلسطينياً بالسياسة الحكيمة المستندة إلى منطق إبطال الذرائع دون تقديم الاستجابة لها مجاناً، وعلى طبق من ذهب.
ان الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، كل ومل، في تاريخه الوطني من مآسي الاحتراب الداخلي، وهو وحده من يدفع الثمن الباهظ جراء ما يجري الآن من أزمات متلاحقة في البيت الفلسطيني، بينما تنتعش الإدارة الأميركية وحكومة أولمرت من خلال تسعيرها نار الإشكالات الداخلية الفلسطينية، واستمرار حصار وتجويع الفلسطينيين.
وعليه فإن حصار التجويع الجائر ووقف الرواتب عن أجهزة وموظفي السلطة الوطنية الفلسطينية، تتحمل مسؤوليته المباشرة الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي بأسره، وبعض الدول العربية، فالموقف من الحكومة الفلسطينية شيء وتجويع وحصار الفلسطينيين شيء آخر، ومن هذا المنطلق تتحمل واشنطن مسؤولية أخلاقية كبرى باعتبارها اتخذت من الفلسطينيين كرهائن على مذبح شروطها غير العادلة والبعيدة عن التوازن، ووفرت لحكومة أيهود أولمرت التغطية السياسية التامة في الإسهام بحصار الفلسطينيين وتجميد الأموال الفلسطينية الموجودة بيد الاحتلال، وتقارب ال(500) مليون دولار.
لقد طارت رزمة الإغراء التي تحدثت عنها الوزيرة الأميركية كونداليزا رايس في زيارتها الأخيرة للأراضي الفلسطينية، وطارت معها الوعود المعسولة عندما تبين لها بأن شروط ومستتبعات «رزمة الإغراءات» لا يستطيع أحد من الفلسطينيين أن يتجرأ على ابتلاعها. فبقي الحصار كما هو دون توقف، دون أن نسمع صوتاً عربياً مدوياً ضد حصارات القتل والتجويع الإسرائيلية الأميركية بحق الشعب الفلسطيني. من هنا على الفلسطينيين «أن يقلعوا أشواكهم بيدهم» من خلال العودة إلى توحيد البيت الفلسطيني، وتثمير أدوات وعوامل القوة المتوفرة بين أيديهم.
كاتب فلسطيني ـ دمشق