هناك إجماع في الأوساط العلمية على أن تشخيص العلة هو نصف العلاج إن لم يكن العلاج كله وبغض النظر اتفقنا أو اختلفنا مع الفلسفة الماركسية إلا أنه من الصعب أن يختلف اثنان على واقعية منهجها العلمي في البحث والاستدلال، الذي تندرج في إطاره إحدى أهم أطروحات ماركس والتي تقول : «حتى الآن قام الفلاسفة فقط بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم الآن تغيير العالم».
إذا كان توصيف ماركس هذا لا يرقى بقضية اجتماعية إلى مستويات الفعل الحقيقي الذي يضمن لشعب أو جماعة ما حياة كريمة أفضل خالية من العيوب، فما بالك بما يدور على الساحة الفلسطينية الداخلية تحديداً وارتباطاتها العربية عموماً، إذ أن هناك عجزاً مطبقاً حيال تحديد طبيعة هذه القضية المقدسة سواء من الناحية الإستراتيجية طويلة المدى أو من الناحية المرحلية متوسطة أو قصيرة المدى. فالعدو ليس واضحاً والصديق غامض، ناهيك عن أن هناك من يمعن، قاصداً، في زيادة جرعة الخلط والتشويش التي تجرع لهذه القضية قسراً كلما لاحت في الأفق بادرة أمل.
وهذا يعني بالملموس ضرورة تحديد وتفسير معالم القضية الفلسطينية تمهيداً للانطلاق بها إلى آفاق الفعل والتغيير ورفع الظلم الواقع على شعب طالت أوجه معاناته. سيطرة الخطاب الأبوي من جانب بعض فصائل المقاومة وعلى رأسها حركة فتح، التي اعتادت على أن توسم بالفصيل الرئيسي أو كبرى فصائل الثورة الفلسطينية إلى درجة غيبت عن ذهن قياداتها انتصار حركة أخرى تدعى حماس في الانتخابات الفلسطينية التشريعية الأخيرة وما يترتب عن ذلك من نزول عن عرش الموقع الأول والتخلي عنه لصالح القادم الجديد.
وإذا كان هذا النوع من الخطاب السياسي قد أعمى الكثيرين وحجب رؤيتهم لحقيقة الواقع السياسي وتشعباته في الداخل الفلسطيني، فإن الطامة الكبرى تكمن في أنه أعمى هؤلاء وآخرين أيضاً من أبناء الفلسطينيين والعرب عن رؤية حقيقة الخارطة الديمغرافية للشعب الفلسطيني والممتدة في ثلاثة مراكز رئيسية لا تأخذ الرؤية الفلسطينية الرسمية سوى مركز واحد منها فقط بعين الاعتبار والمتمثل في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في حين يتم، عمدا، إغفال المركزين الرئيسيين الآخرين والمتمثلين بفلسطينيي 1948 وفلسطينيي الشتات الذين يمثلون ثلثي الشعب الفلسطيني وربما هم المؤهلون الأوائل للخروج من الأزمة السياسية التي تعصف بالوضع الفلسطيني إلى آفاق حل يضمن وحدة الصف على الأقل.
وإذا تضافر مع كل ما سبق مع فساد السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية وارتباطاتها الموثقة والموثوقة بمشروع أميركي صهيوني إقليمي وبروز روح الفصائلية الضيقة وانتشار ظاهرة ما يمكن تسميته بالعائلات العصابات، فإن كارثة وطنية كبرى تكون قد وقعت على رأس الشعب الفلسطيني لا سبيل إلى حلها إلا بتوفر برنامج وطني يرقى إلى مستوى تحدي المشروع المعادي الهادف أولاً وأخيراً إلى طمس الهوية الفلسطينية من جذورها.
وتشخيص الحالة الفلسطينية الراهنة يبدأ باعتقادنا من تحديد معالم المرجعيات التي تستند إليها البرامج السياسية لفصائل المقاومة الرئيسية، هذا إن وجدت أصلا، وهنا تبرز مرجعيتان متعارضتان تماماً وذلك على غرار العربة التي يجرها حصانان باتجاهين متضادين. مرجعية وطنية أساسها صعود نجم الحركات الإسلامية وأخرى باتت عميلة مرتبطة كل الارتباط بالمشروع الصهيوني الإمبريالي في المنطقة ويقتصر دورها على السمسرة وإطفاء الحرائق التي يشعلها الكيان الصهيوني في أحسن الأحوال.
الأخيرة تحاول جاهدة الاستمرار في التشويش على حقائق ما يدور على الساحة الفلسطينية عموماً وفي موضوع التسوية على وجه التحديد، مع أن أحداً لم يعد يصدق أن هناك عملية سلمية حقيقية تدور رحاها بين الفلسطينيين والإسرائيليين في ظل هيمنة قعقعة السلاح وزيادة تشدد المتشددين في الحكومة الإسرائيلية.
فلقد أعلن على لسان الكثير من الأطراف وحتى المعتدلة منها موت عملية السلام في مهدها وجاء تصريح الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ليبلور ما آلت إليه الأمور ويقول أن المكان الصحيح لمعالجة الصراع الصهيوني ـ العربي هو الأمم المتحدة بعيدا عن الصفقات الثنائية التي تعقد هنا وهناك والتي لا تخص سوى الأشخاص الموقعين عليها ومن لف لفيفهم لا أكثر ولا أقل.
إن مطلب الاعتراف بالاتفاقات الموقعة من قبل الجانب الفلسطيني مع الدولة العبرية إنما هو في الأصل مطلب إسرائيلي صرف الهدف منه ذر الرماد في العيون إمعانا في عملية التشويش التي تمارس ضد القضية الفلسطينية على أوسع نطاق. كما أن مطلب ضبط السلاح هو حق يراد من باطل مثلما هو مطلب إسرائيلي أيضا الهدف منه إنهاء المقاومة الفلسطينية بأيد فلسطينية.