في يوم واحد، تدفقت المعالجات الأمنية، على الساحتين العراقية والفلسطينية. في الأولى تم التوافق على تشكيل «مجموعة عمل رفيعة المستوى»، عراقية ـ أميركية، لتحقيق الأمن. في الثانية، حصل اتفاق بين «فتح» و«حماس» على العمل من أجل منع جميع المظاهر المسلحة؛ بغية السيطرة على الوضع الأمني المنفلت. خطوات جديدة ولازمة. فكلا الوضعين وصل إلى حالة من التسيب الأمني والنزف الدموي؛ تهدد بالانهيار الكامل؛ على كل صعيد. الأمن فيهما، صار مشكلة الساعة التي لم تعد معالجتها تحتمل التأجيل. فرض نفسه كأولوية عاجلة؛ وكشرط لنجاح أي حل أو تسوية.
ومن هنا أهمية التدابير التي اتخذت، في بغداد وغزة، في هذا الخصوص. ولو أنها تدابير آنية ترتبط فعاليتها على المدى المتوسط والبعيد؛ بمدى التصدي للخلافات السياسية التي أفرزت التدهور الأمني، المخيف في العراق والذي ينذر بالأدهى في الأراضي الفلسطينية. ذلك أن معالجة الأمن بالأمن لا تكفي. لا مناص من معالجته بالسياسة.
اللجنة العراقية ـ الأميركية، تحددت مهمتها «بتسريع عمليات تدريب قوى الأمن العراقية» واستكمال هيكليتها القيادية؛ بهدف نقل المسؤوليات الأمنية إلى الجهات العراقية المعنية. فذلك من شأنه أن يؤدي، في نهاية المطاف إلى تمكين القدرات العراقية الذاتية في هذا المجال. وفي ذات الوقت إلى المساهمة في تسريع عملية الخلاص من الاحتلال. كما من شأنه، أساساً، أن يساهم ـ أو يفترض أن يساهم ـ في وقف شلال الدم العراقي المتدفق على غير انقطاع.
كذلك هي الحال بالنسبة للاتفاق الفلسطيني ـ الفلسطيني، حول الفلتان الأمني، والذي يتصدى لفوضى السلاح؛ التي طالما أدت إلى ترسيخ ثقافة العنف، على حساب ثقافةالحوار والتلاقي؛داخل الساحة الفلسطينية. ومع أن مثل هذا التفاهم سبق وتم التوصل إليه، بشكل أو بآخر، لكنه لم يقوَ على الاستمرار وإعطاء المردود المرتجى؛ إلا انه في هذه اللحظة بالذات يكتسب أهمية خاصة فهي مرحلة عبور دقيق وسريع الالتهاب وبالتالي فان النجاح في إزالة أدوات التفجير وتغييبها عن المسرح؛ من شأنه، على الأقل أن يخفف التوتر ويقطع الطريق على الالتهابات الفورية وأجواء التفاقم والتأجيج.
لكن ذلك، كما هو معروف، لا يتعدى كونه عملية إسعاف أولية، هي ضرورية بمقدار ما هو ضروري إبقاء المريض على قيد الحياة، حتى إيصاله المستشفى. هناك يبدأ العلاج الحقيقي ووضع الإصبع على الجرح النازف. وليس سراً أن محاولات العثور على تسويات للخلافات السياسية في الساحتين؛ انتهت ـ حتى الآن ـ بالدوران حول نفسها. كافة الصيغ التي كانت متداولة، تعثرت ولذلك تفاقمت الأوضاع الأمنية إلى الحد الذي فرض الاستدراك، من المدخل الأمني، تفويت الفرص التي أتاحت تفاهمات سياسية معقولة؛ كانت فاتورته الأمنية كبيرة.
الآن رأت الأطراف المعنية أنها أمام خيار وحيد: تدابير مستعجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. التحدي، اليوم، صار يتمثل في القدرة والنجاح على العبور من بوابة الأمن إلى صحن السياسة وتعقيداتها، العراقية والفلسطينية. التجارب في هاتين الحالتين، تؤكد إجبارية هذا العبور؛ إذا ما أريد للاستقرار ان يحل، أخيراً، في ربوع العراق وفلسطين.
التجارب والسوابق تفيدان أن المدخل السليم لفض الإشكالات والصراعات، هو المدخل السياسي، لكن ربما ذلك لا يصح على الحالتين العراقية والفلسطينية ـ في هذه المرحلة ـ نظراً للتعقيدات والخصوصيات الفريدة لهما، فلا بأس في ذلك، المهم ان يلمع شعاع الفرج في أفق بغداد ورام الله، ولا فرق من أي جهة يلمع.