تظل المواجهة مع الاحتلال الاسرائيلي هي العنصر المهم في موازين السياسة الفلسطينية وهذه المواجهة هي الأحق بتوجيه كل طاقات وامكانيات الشعب الفلسطيني وتظل مسائل ترتيب صيغ الحكم والادارة المحلية لشؤون الفلسطينيين رهناً بالهدف الأول والاساس وهو قضية التحرير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعزيزة الجانب.
وتعتبر اتفاقات أوسلو بكل المقاييس هي الخطوة الأهم التي تم اتخاذها للاقتراب من ذلك الهدف الأهم، وقد حددت اتفاقات أوسلو مسارات مهمة وأرست تفاهمات لا يمكن تجاوزها أو النكوص عنها فاتفاقات أوسلو هي التي تمخضت عن واقع فلسطيني اتاح امكانية الانتخاب الحر المباشر لقيادات فلسطينية تتوسط أركان السلطة والحكومة على السواء.
ولكي تستمر المسيرة في طريق النجاح لابد لها من عنصرين أساسيين يحكمان المسار السياسي الفلسطيني ويحددان آليات اختيار الحكومة ووظائفها التي هي منوطة في الأساس بتقديم الخدمات الى القطاعات العريضة في الأراضي المحتلة التي تبادر إلى صندوق الانتخاب لممارسة حقها الديمقراطي في اختيار قياداتها. أول هذين العنصرين التسليم المطلق بمشروعية (أوسلو) وتوابعها، وثانيهما التسليم بأهمية تواجد الظهير العربي في قلب مسيرة النضال الفلسطيني للحفاظ على صيرورته.
العنصران كلاهما بالغا الأهمية ودون أن يتصادما مع الرؤى والتوجهات الفرعية التي قد يلجأ اليها من يتم اختيارهم لإدارة دفة الشؤون الفلسطينية. وقد خاضت كافة القوى الفلسطينية أزمة التعاطي مع الواقع في اعقاب انتخاب الحكومة الفلسطينية الحالية حيث وقع الصدام بين الامر الواقع و(الايديولوجية) وكان لابد من الاختيار بين الاثنين حتى يمكن توفير الحاجات العاجلة للشعب الفلسطيني، وما زال هذا الصدام قائما بل وقد وصل إلى حدود يصعب على الفلسطينيين تحملها.
فالاقتصاد الفلسطيني على وشك الانهيار وقد اوضحت ثلاث دراسات قامت بها دائرة شؤون المفاوضات الفلسطينية بالتعاون مع العديد من الاطراف الدولية مدى تأزم الوضع الداخلي الفلسطيني الذي زاد من خطورته التصعيد العسكري الاسرائيلي المستمر في غزة والضفة وما صاحبه من تدمير وقتل وتشريد وتجريف للأرض الزراعية واستمرار في اقامة جدار الفصل العنصري.
وقد أشارت بعض هذه الدراسات إلى نية قوات الاحتلال الاسرائيلي لإعادة احتلال معبر رفح وتعطيل التفاهمات السابقة مع الأطراف العربية والأوروبية لتشغيل المعبر، وفيما لو تم ذلك فإن الاجراءات الاسرائيلية لتحويل غزة إلى سجن كبير تكون قد استكملت، فإلى متى سيظل الشعب الفلسطيني رهينة التجاذبات السياسية الداخلية والخارجية مع التزايد المحلوظ في تعداد السكان والذي من المقرر ان يصل في قطاع غزة إلى 174 الف شخص في الكيلومتر المربع بقطاع غزة وحده، مع خسائر مادية نتيجة الحصار والركود الاقتصادي في الاراضي المحتلة إلى خمسة بلايين ونصف البليون من الدولارات؟
ونحن الآن بصدد ليس الدعوة إلى التسليم بإرادة اسرائيل ومسانديها في إذلال الشعب الفسطيني وكسر إرادته، بل نحن بصدد دعوة كل الفصائل الفلسطينية إلى التنادي إلى كلمة سواء للتوفيق بين الرؤى والاتجاهات، والأخذ في الاعتبار كافة العناصر التي تؤدي إلى استمرارية النضال الفلسطيني وفي نفس الوقت احترام حاجات الشعب الذي يفرز عناصر هذا النضال ويحافظ على ديمومته ويمده بالسواعد والعقول ويدربها على تسلم راية الكفاح سواء كان بوجهه المسلح او التفاوضي والدبلوماسي، ومن ثم فلا يصح اختصار القضية الفلسطينية في إطار ضيق يتعلق باختيار (حكومة)!