الإشارات المتضاربة من الساحة الفلسطينية وعنها، تتوالى بوتيرة متسارعة ومتزامنة. ترسم صورة مشوشة وملتبسة؛ تحمل، في أحسن أحوالها، على الحيرة والترقب الحذر.
فيها من الاحتمالات الإيجابية ما يدعو إلى التفاؤل؛ ولو المتحفظ. وفيها أيضاً من التحذيرات والأجواء السلبية ما يفرض التخوف من الأسوأ. بلبلة مفتوحة على النقيضين.
وإذا كانت هكذا حالات غير غريبة عن الوضع الفلسطيني، المعتاد على الصعود والهبوط؛ فإن اللحظة الراهنة مختلفة باحتقاناتها وحساسيتها؛ كما باستحقاقاتها الفاصلة. وبالتالي فإن ما يشهده هذا الوضع من هجمة، تختلط فيها علامات الانفراج بعلامات الانفجار، يشير إلى اقترابه من مفترق طرق. وكأنه بات على أهبة مغادرة حلقة المراوحة؛ من أزمته الطويلة المنهكة.
المشهد كما يلي. من جهة أفادت الأنباء بتوقيع اتفاق بين حماس وفتح أمس الأول عن منع مظاهر التسلح في قطاع غزة وإخلاء الشوارع من المسلحين إلا من عناصر الشرطة بزيها الرسمي.
كما تواترت الأنباء عن حلحلة، بخصوص حكومة الوحدة الوطنية. ما تردد يفيد باقتراب حصول توافق بين «فتح» و«حماس» على تركيبة مثل هذه الحكومة وبرنامجها السياسي.
التعقيدات التي أطاحت بالاتفاق بينهما، في هذا المجال، تم تذليلها. أو هي في طريق التذليل. وفي هذا الصدد، ذكر أن الرئيس عباس تداول الموضوع، بالهاتف، مع رئيس الحكومة هنية، وأن التشكيلة الحكومية المؤلفة من كافة القوى والتي يعتزم الرئيس عباس الإعلان عنها، سترى النور بعد أيام؛ فور التوقيع النهائي على الاتفاق بشأنها.
بشارة خير بتطور ينتظره الجميع بفارغ الصبر ويتطلع إلى تنفيذه. واكب هذا الارتياح وعززه، معلومات عن قرب التوصل إلى صيغة مقبولة بشأن أزمة الأسرى. مقابل الإفراج عن جلعاد شاليت تقوم إسرائيل بالإفراج عن حوالي ألف معتقل فلسطيني. وسرت أنباء عن قرب سفر أمين عام «حماس» إلى القاهرة، لإبرام الاتفاق؛ وثم وضعه موضع التنفيذ. أضفى ذلك على الأجواء مسحة من الاسترخاء.
لكن من جهة ثانية وفي الوقت ذاته، تجدد القصف بالاتهامات المتبادلة ليشتد، أكثر من أي وقت مضى، بين «فتح» و«حماس». القذائف المستخدمة هذه المرة، غير مسبوقة بما تنطوي عليها من خطورة. الأمر الذي أشاع مناخات المواجهة الواسعة؛ هذه المرة. يتحدث فصيل عن «يوم دام» يحضر له الفصيل الآخر.
يرد هذا الأخير بأن الأول يعمل على «إحداث فوضى» كما على «احتلال مراكز لقوى الأمن»؛ ويتوعد «بالتصدي للعابثين»، متمنياً «أن تمر الأيام القادمة بخير». عندما يبلغ التراشق هذا الحد من التحذير ومن خلق أجواء المواجهة الواسعة؛ عندئذ لا بد وأن يسود الاعتقاد بأن الأمور سائرة نحو الاحتكام للسلاح.
اللغة والتوعد والنبرة؛ كله يترك الانطباع بأن هناك حالة من الاستنفار المتبادل وأن العلاقات بلغت الحائط المسدود؛ وكل طرف يتهيأ لخرقه بالقوة. سيما وأن ذلك يحصل وسط حالة من شبه القطيعة ـ العلنية على الأقل ـ بين الجانبين؛ ومن التوتر المتزايد الذي بات يحكم علاقتهما.
هل الوضع الفلسطيني في سباق بين الاثنين: التفجير والعودة إلى الصواب؟
الخلفية والمعطيات، لا تشجع على التفاؤل. لكن هذا الوضع وصل إلى نقطة من النزف والإنهاك ومن التآكل الداخلي؛ ناهيك بمعاناته المريرة التي يكابدها على يد الاحتلال الإسرائيلي المتزايدة عدوانيته؛ كل ذلك يجعل من غير الجائز ولا المقبول، تحت أية ذريعة أو حجة، ترجيح عوامل الانفجار على عوامل التقارب والانفراج. الاتفاق على برنامج وسياسة حد أدنى لحكومة وحدة وطنية وعدم التراجع عنه؛ واجب لا يحق لأحد التهرب منه.