الضجة أو «الصدمة» التي أثارها نشر صور لجنود ألمان يدنسون جثة في أفغانستان في الشارع الألماني، ومسارعة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى الاستنكار ووصف تلك الصور بأنها مثيرة للاشمئزاز.

والوعد باتخاذ إجراءات صارمة ضد المتورطين في هذا الأمر، رسالة ألمانية إلى الغرب عموما والأوربيين خصوصا الذين اكتووا بنيران الحرب العالمية الثانية إبان صعود نجم النازية وزعيمها أدولف هتلر، وهي مسألة في غاية الحساسية، لشعب ذاق الأمرين قبل أن يقف على قدميه ويعيد توحيد شطريه.

فقد ظل الألمان لسنوات طويلة يحاولون مداراة بزاتهم العسكرية عن الأنظار، قبل أن يسمح لهم من جديد بالانخراط في أعمال حربية خارج حدود أوطانهم، خشية استرجاع الصورة السلبية العالقة بالأذهان لجنود الفوهرر المتورطين في الأعمال الدموية.

وها هم وبعد تورطهم في عملية «الحرية الدائمة» لما يسمى مكافحة الإرهاب التي جاءت إرضاء أو تملقا للجانب الأميركي، يجدون أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، فقد ظهر جنودهم متلبسين بفضيحة تذكر بالصورة السلبية التي ظهر بها الجنود الأميركيين في سجن أبو غريب سيئ السمعة.

الفضيحة التي دوت في الأوساط الألمانية الرسمية والشعبية، وقعت قبل ثلاث سنوات، وكشفتها صحيفة ألمانية نشرت صورا لعدد من الجنود وهم يلهون بجمجمة.

ويلتقطون صورا في أوضاع مشينة، كفيلة بتلطيخ سمعة أي جيش المفروض انه يتحلى بالانضباط على طريقة المكنات الألمانية الشهيرة، والتي بات الألمان يفضلونها لصورتهم في أعين العالم،بعد طي الحقبة النازية التي جلبت على البلاد والعباد الدمار والإذلال.

كشف الفضيحة تزامن مع إعلان الحكومة الألمانية توسيع نطاق مهامها العسكرية خارج الحدود، بما شكل تناقضا في طبيعة الصورة التي تبحث ألمانيا عن تسويقها باعتبارها مدافعة عن الحريات ونشر الديمقراطية في العالم، مؤازرة للشريك الأميركي الذي يبدو أن تأثيره تزايد بعد مجيء حكومة ميركل، وخروج غيرهارد شرودر الذي شكل مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك إزعاجا للرئيس بوش، قبل وبعد الغزو الأميركي للعراق.

وإذا أضفنا إلى صور تدنيس الجمجمة التي نشرتها صحيفة «بيلد» الألمانية مواجهة الجيش الألماني اتهامات بأن جنوده عذبوا تركياً يحمل إقامة ألمانية في أفغانستان قبل إرساله إلى معتقل غوانتانامو الأميركي في كوبا نكون إزاء مزيد من البقع على الثوب العسكري الألماني.

ليس ذلك فحسب، فقد تزامنت الفضيحة أيضا، مع معركة أخرى سماها البعض بـ «حرب الأزرار» التي فجرتها موضة خريف 2006، على خلفية استخدام إحدى شركات الأزياء أزرارا تحمل علامات الصليب النازي المعقوف في منتجاتها، وهو ما اعتبره الإعلام الألماني نشاطا يروج للنازية وهو ما يحرمه الدستور ويقع تحت طائلة القانون.

وربما تكون حرب الأزرار تلك في إطار التنافس التجاري بين شركات الأزياء، غير أن الهواجس والأراجيف التي تنتاب الألمان من ماضيهم الهتلري، كفيلة بإثارة المخاوف من أن تؤدي صورة تدنيس رفات الموتى في أفغانستان إلى فتح الأعين على تصاعد العسكرية الألمانية ورغبتها في لعب دور خارجي اكبر.

وهو ما دفع وزير الدفاع الألماني فرانتس جوزيف يونغ إلى التعبير عن غضبه من جنوده والتأكيد على انه لا يمكن أن يكون هناك مبرر لمثل هذا السلوك بأي حال من الأحوال. قبل أن يأمر ببدء تحقيق فوري ومشاطرة المستشارة ميركل وعدها باتخاذ إجراءات تأديبية وقانونية بحق من تثبت إدانتهم.

ما جرى على يد الجنود الألمان في أفغانستان حدث جلل بالمقاييس الألمانية والأوروبية، لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، لكن رسالة التشدد مع مرتكبي هذا العمل المشين أخلاقيا وعسكريا، رسالة تخص هواجس أصحابها من ماض سيئ، وليست حرصا على تجنب غضب الأفغان أو المسلمين.

وان حملة الرسالة معناه ذرا للرماد في العيون. باختصار تريد برلين التأكيد أن النزعات العنصرية لن يكون لها مكان في صفوف جنودها الذين يخدمون المصالح الغربية المشتركة، وحتى لا يتصور البعض أن الحاضر انعكاس لظلال كئيبة من صفحة التاريخ.