كيف يبدو مشهد الصراع العربي ـ الإسرائيلي بعد عقد ونصف العقد من الزمن منذ انطلاق عملية التسوية السلمية في مؤتمر مدريد في 31 أكتوبر 1991.

وللتذكير وللمقارنة بين الأمس واليوم جاءت مدريد غداة حرب تحرير الكويت وبالتالي محاصرة الدور العراقي الراديكالي والمشاغب وتعزيز مناخ التوافق العربي بعد الحرب.

وكذلك بعد نهاية الحرب الباردة وتبلور «اللحظة الأحادية» الأميركية وبداية ترسخ دور «القوة الفائقة» الأميركية التي تحمل كما كان يقول الرئيس بوش الأب هدف إقامة نظام عالمي جديد.

جاءت مدريد نتيجة قناعة واشنطن أن الفرص الإقليمية والدولية قد تجمعت لإنضاج تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي باعتباره أحد أهم عناصر التوتر العربي الغربي والعربي الأميركي تحديدا إن لم يكن أهم هذه العناصر، والرافد الأساسي للراديكالية في المنطقة وبالتالي فإن إقفال ملف هذا الصراع بشكل كلي وشامل سيسمح بإجراء عملية تحويلية تاريخية للشرق الأوسط من شرق أوسط صراعي إلى شرق أوسط سلمي وتطبيعي.

جاءت مدريد بعد أن تبلورت قناعة عند (القوة الفائقة) بضرورة الانخراط الكلي وعلى أعلى المستويات، المستوى الرئاسي، في صنع السلم وتوفير الضمانات للأطراف المشاركة في العملية السلمية وهندسة آليات هذه العملية والإمساك بزمام المبادرة والمواكبة والتحفيز والتشجيع.

هذه كلها كانت أهم العناصر التي أطلقت «مدريد» مع استعداد عربي كبير لصنع السلم وهو استعداد قائم منذ الثمانينات، خاصة إذا توفرت المرجعيات الشرعية لهذا السلم.

ولكن تنقصه دائما الإمكانات الموظفة خدمة لهذا الهدف مما يجعله دائما يعتمد على الطرف الثالث، الأميركي خصيصاً، لجر إسرائيل كما كانت الحال في مدريد، رغم أن شامير اعترف لاحقاً بعد أن ترك السلطة انه كان سيماطل في المفاوضات بشكل مفتوح.

التجاوب الإسرائيلي مع واشنطن والرهان العربي على واشنطن سهل لحظة التفاؤل العربية وبيع السلام للرأي العام العربي كونه مطروحا على أساس المرجعيات الدولية.

أحد أهم دروس مدريد أيضاً التي كرسها، وهنا «المفارقة»، فشل العملية لاحقا وتلاشيها، إن دور الطرف الثالث القادر والمؤثر والمنخرط في العملية باستمرار شرط ضروري لإطلاق عملية التسوية والتقدم فيها وبقدر ما يضعف هذا الدور بقدر ما تتلاشى العملية لأنها أساساً تهدف لتسوية صراع يعاني من حالة اختلال كبير في توازن القوى بين الطرفين.

المشهد الراهن يحكمه مناخ دولي وإقليمي، لا نجازف إذا وصفناه انه نقيض للمناخ الذي كان سائدا في مطلع التسعينات حين هيمن منطق التسوية في حين يهيمن اليوم منطق الصراع المفتوح وعودة المطلقات في تحديده وتحديد أهدافه المنتصرة.

أهم سمات المشهد الحالي أولا: ان فلسطين لم تعد عند واشنطن، المهندس الإقليمي الأساسي، لم تعد قضية قائمة بحد ذاتها على الصعيد السياسي المعاش والفعلي أو على الأقل تراجعت وصارت ثانوية .

ولم تعد ضاغطة على جدول أعمال إقليمي مازالت واشنطن تصر على تحديد أولوياته الأزموية وحدها. مرد ذلك قراءة عقائدية وإستراتيجية مازالت مهيمنة في واشنطن وتجد لها تماهي شبه كلي عند صناع السياسة الإسرائيلية حاليا.

ثانياً: انتشار النقاط الساخنة ونقاط الانفجار المحتملة في المنطقة وأهمها وأكثرها خطورة وسخونة من حيث تداعياته الإقليمية مخاطر الانفجار العراقي ثم الصراع الأميركي الإيراني الاستراتيجي والمشحون بالتعبئة العقائدية اللاهية هنا وهناك ضد الآخر.

كل ذلك يجري في ظل انشغال دولي متزايد لا يوازيه إلا مستوى العجز الذي يتسم به الدور الدولي في المنطقة وأكثر ما يعبر عنه دور الرباعية في الشأن الفلسطيني الذي وصفه وزير خارجية روسيا وعن حق بأنه حامل لمطالب غير واقعية ومبالغ فيها.

ثالثاً: حرب باردة عربية إقليمية دولية يحكم جدول أعمالها على ارض الواقع صراع ثنائي القطبية أميركي إيراني ضاغط ومتداخل مع كافة القضايا الإقليمية.

حرب باردة تساهم في زيادة تعقيدات القضية الفلسطينية وفي تركيز مركز الثقل في السياسة الشرق أوسطية في الخليج: خليج الثورة الإيرانية الثانية والعراق المتفجر وفي سياق هذه الحرب تبقى القدرات العربية مشتتة وتبقى السياسات العربية في إطار التمنيات والمناشدات ومحاولات التهدئة ومحاصرة النيران.

رابعاً: انشغال فلسطيني أو للدقة غرق فلسطيني في مشاكل البيت الذي شارك الجميع من أهله ومن خارجه كل لأسبابه في تسعيرها: انسداد وتوتر وتمزق للجسم السياسي وغياب للقيادة التاريخية وعنف منتشر ولو بوتيرة منخفضة حاليا يهدد بالتحول إلى حرب أهلية يحذر منها الجميع.

خامسا: تكرس توجه السياسة الإسرائيلية نحو اليمين المتشدد مع دخول افيغدور ليبرمان إلى الحكومة. انضمام زعيم حزب «بيتنا» ورمز سياسة الاستيطان الناشط والمعروف بأنه صاحب دبلوماسية الأصبع السهل على الزناد الجاهز دائما لإطلاق النار أو دبلوماسية اللجوء السهل وشبه التلقائي إلى القوة الوقائية دليل مضاف وساطع على هذا التوجه في ظل غياب أي ضغوطات دولية جدية لدفع إسرائيل للعودة إلى اعتماد منطق التسوية والتخلي عن منطق رفض الاعتراف بالآخر الفلسطيني وهو المنطق السائد منذ ست سنوات تقريباً.

عقد ونصف العقد من الزمن بعد مدريد والشرق الأوسط يقف على مفترق طرق وأمام تساؤلات ثلاثة: هل يستمر الانسداد الحاصل رافعا كل يوم من منسوب التوتر الذي يصب في المنطقة .

ويتغذى على توتراتها أم يحصل الانفجار الكبير الذي قد ينتج عن قرار بحرب للتحريك أو عن حسابات تصعيدية خاطئة أو كما يعلمنا التاريخ أن الأزمات الكبرى تولد دائما الفرص الكبرى للتسوية الشاملة والدائمة والشرعية، فهل نكون على أبواب الخلاص حاليا؟.

هذا يتطلب انخراطا دوليا فعالا ووجود أطراف تريد السلام وذات رؤية وقدرة ورغبة لتلعب دور المحرك والدافع والمواكب والضامن لإنجاح عملية من هذا النوع.

الشرق الأوسط في نهاية الأمر يقف بين خياري الفوضى المدمرة والتسوية الشاملة. فهل من مدريد أخرى في الأفق؟

كاتب لبناني