على فراش الموت طلب أن نأتي له بكتابه «ابن إياس» في تاريخ مصر، ولم يكن يستطيع القراءة فكانت إحدى تلميذاته تقرأ عليه كل يوم بضع صفحات.

وفي آخر لقاء قبل أن يذهب في غيبوبته الأخيرة والتي طالت لأسابيع كان يحدثني عما سنفعله معاً بعد خروجه من المستشفى، والبيان الذي أعد خطوطه الأساسية لاستنهاض الأمة.

واللقاء الذي نرتب له لبدء تحرك فعال يتخطى المعارك التافهة التي يتلهى بها البعض أو التي يراد بها استنزاف ما تبقى من قوة لدى القوى الوطنية، ليدخل في صميم المعركة: كيف نستعيد لمصر روحها العظيمة وقدرتها التي طالما أنقذت الأمة في لحظات تقرير للمصير.

هذا هو محمد عوده الذي فقدته مصر والأمة العربية كلها قبل أيام بعد حياة طالت لأكثر من خمسة وثمانين عاماً ظل فيها حتى النفس الأخير مناضلاً عظيماً بالفكر والقلم والعمل السياسي عن مصر التي عشقها وعن عروبته التي آمن بها، وعن ملايين البسطاء الذين آمن بحقهم في الحرية والعدل والكرامة الإنسانية.

إنه الحالم العظيم، ولكن أحلامه لم تكن تأتي من برج عاجي يعتصم به، وإنما من طين الأرض التي جاء من أريافها، ومن شوارع القاهرة التي أحبها وأحبته وسرت روحها في شرايينه.

ومن ثقافة عريضة وعميقة تعرف العالم وتفتح على كل ما في الحضارة الإنسانية من إبداع، ومن إيمان عميق بقدرة العرب على صنع نهضتهم وأن مفتاح هذه النهضة لن يكون في يد أنظمة عاجزة بل في يد الملايين في أرجاء الوطن العربي الذين سيحسمون الأمر في النهاية لمصلحة الوحدة والحرية والتقدم حين يلتقون بالقيادة الواعية والرؤية المطلوبة.

من أجل هذا جاء ارتباطه بثورة يوليو. لم يكن مجرد سياسي يبحث عن دور، ولا رجلا يبحث عن مكانه، ولكنه كان الحالم بالتغيير الذي التقى بما يحلم به. كان قادماً إلى الثورة ومعه تراث مصر الكبير في النضال من أجل الحرية، ومعه فكر انفتح على العالم، وتجربة عاش فيها لسنوات في شوارع باريس وحواري الهند.

ولكنه في كل ذلك لم ينس الدرس الأول الذي تعلمه في ريف مصر حيث ولد وعاش سنواته الأولى في الشرقية.. لم ينس درس القضية التي جعلته يخلع روب المحاماة بعد أن ألقى مرافعة بليغة دفاعاً عن فلاح أخذ بعض ثمار الذرة من الحقل الذي زرعه بنفسه ليسد جوعه.

وكان الحقل من أملاك التفاتيش الملكية الخاصة بالملك فاروق. ورغم بلاغة المرافعة دخل الفلاح إلى السجن، وخرج عوده من عالم المحاماة بعد أن أدرك أن المشكلة ليست في القاضي الذي حكم.

ولا في المحامي الذي ترافع، وإنما في القانون الذي يسمح لنصف في المئة بأن يسيطروا على معظم الأراضي الزراعية ليعيش فيها الفلاحون كالعبيد، وليدرك أن هذا القانون لن يتغير في المحاكم وإنما بتغيير السلطة وإقامة العدل وتحويل عبيد الأرض إلى مواطنين لهم الحق في الحياة الكريمة.

وعاش عودة سنوات الصعود القومي بشيراً ومؤازراً ومقاتلاً من أجل الحرية والتقدم والوحدة العربية، ومنحازاً إلى الاستنارة ضد الجمود، وداعياً إلى عروبة إنسانية تتفتح على العالم وتتفاعل مع الحضارة الإنسانية، ومقاتلاً في صفوف الثورة العربية في كل مكان من الجزائر إلى اليمن إلى فلسطين..

يعرف الثوار ويقترب منهم وهم في الخنادق، فإذا انتقلوا إلى قصور السلطة أدرك ان دوره انتهي وان عليه أن يبحث عن ميدان آخر لمعركة أخرى يقاتل في خنادقها. فلم يكن عودة يوماً ممن يجيدون الاقتراب من السلطة أو يرغبون في ذلك، بل كان حريصاً على تلك المسافة التي تمكنه من التنفس بحرية.

وتمكن فكره من تخطي أي قيد، وتعطيه الحق في أن يقول كلمته فيسمعها الجميع.. يقبلونها أو يرفضونها، ولكنهم يحترمونها ويقدرونها لأنهم يدركون أنها تصدر عن ضمير حر وقلم لم يكن ولاؤه يوماً إلا للوطن وللقيم النبيلة انها التي آمن بها، ولملايين البسطاء الذين حمل حتى آخر لحظة من عمره همومهم وآمالهم في العدل والحرية والكرامة.

لكن المثير أن هذا الحالم العظيم لم يتراجع عن أحلامه رغم الصدمات. لم يتراجع مع هزيمة 67 بل كان واثقاً من قدرة مصر على الثأر لكرامتها ومؤمناً بأن النصر قادم وان طريقه قد بدأ بقرار الشعب في 9 و10 يونيو برفض الهزيمة. ولم يفقد الأمل ـ رغم الخسارة الفادحة ـ برحيل عبد الناصر.

ولكنه أدرك منذ اللحظة الأولى ان الانقلاب على سياساته قادم. وعندما حدث الانقلاب وقف في مواجهته، وعندما بدأت حملة التشهير القذرة بعبدالناصر وقف بشجاعة يفضحها. وفي الوقت الذي كان البعض يهادن، والبعض يبيع، والبعض يلتزم الصمت، والبعض يحافظ على مواقعه، والبعض ينخدع بمقولات السلطة الجديدة..

كان عودة الذي لم يقابل عبدالناصر إلا عرضاً يتصدى ببسالة رافضاً كل الضغوط وكافة الإغراءات، منحازاً للحقيقة ومدافعاً عن مصر التي يراها وطناً للعدل والحرية والعروبة، بينما يراها الآخرون وطناً تابعاً معزولاً عن أمته فاقداً لدوره ورسالته. وفي هذه الظروف الصعبة خاض عودة أعظم معاركه، يفضح الخائنين، ويكشف حجم التآمر، ويرد على الأكاذيب.

كان يقف محاصراً من السلطة وقوى اليمين العائد للانتقام، وبعض اليسار المخدوع، والذين يبيعون أنفسهم للحاكم أيا كان. خاض عودة المعركة التي لم تنته حتى اليوم، ولن تنتهي إلا بانتصار حلمه بوطن عربي يسوده العدل وتحكمه الحرية.

ومن أجيال كاملة قرأت لعودة «ميلاد ثورة» فعرفت قيمة ما فعلته ثورة يوليو للعرب وللعالم كله. وعاشت مع عودة معركته ضد حملة تشويه عبدالناصر ورده الشهير على توفيق الحكيم في «الوعي المفقود»، وقرأت معه تاريخ مصر في كتبه الرائعة التي قدمت التفسير التقدمي لتاريخ كان يكتب من قصور السلاطين فكتبه عودة من مقعد المثقف المنتمي للشعب لا للحاكم.

تربت أجيال عديدة في مصر والعالم العربي على إنتاج محمد عودة في الصحافة والسياسة والتاريخ واجتهاداته في الفكر القومي، لكن يبقى عودة الأستاذ والإنسان هو الأهم.. فهذا الرجل الذي أعطى ولم ينتظر الجزاء، وظل حتى آخر لحظات عمره يقاتل حتى تصل كلماته إلى الناس.

ولم تكن دروس عودة قاصرة على التاريخ والصحافة والثقافة والسياسة، ولكن الأهم من ذلك كانت دروسه في الحياة. فلقد كان الرجل مؤمناً ان الغاية من كل نضال سياسي ومن كل إبداع ثقافي ان يجعل الحياة أفضل وان يجعل الفرحة بها متاحة للجميع.

كم كان يدهشنا بإقباله على الحياة في أصعب الظروف، وحتى عندما هاجمه المرض اللعين وخضع للجراحة وعاش في السنوات الأخيرة يعاني آثارها.. لم يمنعه ذلك (وهو الرجل الذي تعدى الثمانين) من ان يواصل التعامل مع الحياة التي أحبها.. لم ينزو، ولم يتقاعد، ولم يهرب من الناس، بل واصل رحلته المعطاءة.. يكتب ويقرأ، ويسافر، ويتابع الأحداث، ويستمر في صنع الأحلام له، ولنا، ولوطن عربي ظل على الدوام مؤمنا بقدرته على بناء المستقبل الذي يستحقه.

لم يأخذ عودة المكانة التي تليق به في الحياة. كنا نعرف ذلك ونغضب، وكان يعرف ذلك ولا يتأثر! فهو يعرف أنه قد أدى واجبه.. لم يهرب من معركة، ولم يتخاذل في موقف، ولم يخن ما آمن به، ولم يبع قلمه يوماً.

وهو قد روض نفسه على ان يستغني فيكون الأقوى ويعيش وهو يملك الحرية والشجاعة في أن يقول كلمة الحق في كل حين. يرحل عودة الحارس الأمين لأجمل ما أبدعته الأمة في نصف القرن الماضي في السياسية والثقافة والصحافة والفكر.

وتبكيه مصر بكل أطيافها. بالقطع لن تكون ليالي القاهرة كما كانت معه، ولن تشهد أيامها هذا الثراء والمحبة التي كان يضيفها وجوده، وستفتقد المواهب الجديدة هذا الرجل المؤسسة الذي كان يرعى ويعلم ويمهد الطريق ويسعد بالنجاح، وستفتقد الأمة هذا الصوت القادر على ان يفتح أبواب الأمل في أصعب الظروف.

عزاؤنا أننا نفتقد عودة الشخص والجسد. أما عودة المثال والقدوة فهو باق.. يقوي سواعدنا، ويكفكف دموعنا، ويشاركنا الأفراح والأحزان، ويعلمنا ان نسير على الأشواك دون أن نفقد الأمل، وان نغالب الظلام من أجل نقطة نور.

نقيب الصحافيين المصريين