إذا كان إنتاج العراق الحالي من النفط الخام يبلغ في المتوسط ثلاثة ملايين برميل يوميا. وإذا كان سعر برميل النفط في السوق العالمية يدور حاليا حول 60 دولارا فأين تذهب 65 مليار دولار هي حصيلة العراق السنوية من صادرات نفطه؟

هناك مشروع إجابة عن هذا السؤال يتمثل في تقرير لشبكة التلفزيون الأميركية «سي بي إس» جاء فيه أن أكثر من 500 مليون دولار اختلسها مسؤولون عراقيون كانوا حتى وقت قريب يديرون وزارة الدفاع.

ويضيف التقرير أن دولتي الاحتلال ـ الولايات المتحدة وبريطانيا لا تبذلان الكثير من الجهد للمساعدة في استعادة تلك الأموال أو القبض على المشتبه باختلاسها الذين غادر معظمهم العراق.

ومن ابرز هؤلاء يقول التقرير شخص كان مسؤولا عن المشتريات العسكرية عندما اشرف على «انفاق» 1200 مليون دولار على مشتريات، ويضيف التقرير ان ما بين 750 و800 مليون دولار من هذه الأموال قد سرقت.

والسؤال الابتدائي هو: لماذا تحتاج دولة واقعة تحت احتلال أجنبي إلى انفاق مئات الملايين من الدولارات على أسلحة ومشتريات عسكرية أخرى؟

الإجابة التي يقدمها المسؤولون العراقيون تتناقض مع ابسط قواعد المنطق الطبيعي إذ يقولون ان الأسلحة تشترى من أجل محاربة المقاومة ضد الاحتلال.. وكأن قادة المقاومة هم الذين استدعوا قوات الاحتلال الأجنبية؟

إدارة بوش تتقدم إلى الكونغرس كل بضعة أشهر باعتماد بعشرات المليارات من الدولارات للتصديق عليها لغرض الانفاق على الحرب ضد المقاومة، فهل الصرف على قوات الاحتلال ومعاركها ضد قوات المقاومة يأتي من الخزانة الأميركية أم من عائدات النفط العراقي؟

ان الأمر برمته موضع ريبة ومما يضاعف من الريبة تلكؤ الحكومتين الأميركية والبريطانية في إجراءات التحقيق في حوادث الاختلاس العراقية، فهذا المسلك لا يمكن تفسيره إلا بأن الشخصيات العراقية المشتبه بضلوعها في عمليات سرقة أموال متواطئة مع مسؤولين أميركيين وبريطانيين وشركات أميركية وبريطانية.

هذه الريبة تمتد ثلاث سنوات للوراء عندما انطلقت حملة الغزو الاميركية على العراق، فمنذ الوهلة الأولى أخذ يلمع نجم شركة «هاليبيرتون» الأميركية كشركة عهدت إليها وزارة الدفاع الأميركية بتعاقدات امداد الأغذية للقوات الاحتلالية دون إجراء عملية مناقصات، فالمدير العام سابقا والمستشار لاحقا لهذه الشركة هو نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني.

كانت تلك ضربة البداية لممارسات فساد واسعة النطاق يتورط فيها جنرالات وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن مع الجنرالات الميدانيين في العراق والمسؤولين العراقيين المتعاقبين على السلطة.

ومما يروى في هذا الصدد ان حاكم العراق الأميركي السابق بول بريمر خرج من البلاد لدى نهاية مدة تكليفه حاملا حقيبة تحوي مليار دولار نقدا.

وفي هذه الأثناء وعلى خلفية اسطوانة «إعادة الاعمار» لا يجد سواد العراقيين حتى ماء الشرب النظيف فضلا عن الخدمات الصحية والإمداد الكهربائي في بلد ينتج نفطا خاما بقيمة 65 مليار دولار سنويا.