يقول الفيلسوف الشهير «أرسطو«: «هناك كثيرون ممن يعتقدون أن الحرية والمساواة تتجسدان وتطبقان في ظل النظام الديمقراطي وحده.. ولكن الحقيقة أن الديمقراطية مذهب شمولي، لذا فإن الذين يؤمنون حقا بالديمقراطية عليهم ألا يستغلوا منبرها ويجعلوه قصرا على أنفسهم ثم يحرمون الآخرين منها بالقوة القهرية..
وهنا تكون المفارقات كبيرة، فهؤلاء يحاولون تضخيم حقوقهم والمبالغة فيها بينما هم وفي الوقت نفسه يعمدون إلى تصغير حجم الذين يقفون في وجوههم وإلغاء حقوقهم!« هذه المعضلة نراها أزلية في المنهج الديمقراطي.. وهذا هو نفسه الذي يجعل مذاق الديمقراطية علقما في أفواه الكثيرين الذين يتم إسكاتهم بالقوة أو بالمكر والدهاء والمناورات المكشوفة، وهي الآن طافحة على الساحة المحلية وبكل أسف!
أقول وفي حلقي أنا أيضا مرارة أشد: إن ما يجري في مجتمعنا البحريني من خلال تسخير وابتزاز الساحة الترشيحية والانتخابية، ومن خلال أفعال مكشوفة.. إنما يسيء بشدة إلى وجه البحرين الحضاري، وهذه الضغوط العقائدية المرفوضة على بعض السادة الذين رشحوا أنفسهم عن قناعة من خلال بعض الدوائر الانتخابية يجب أن نتوقف عندها مليا.. ونعمل على تفنيدها في حيادية كاملة فيما يلي: أولا - أن اللجوء إلى حرق خيمة فضيلة الشيخ عادل المعاودة بالمحرق عمدا مع سبق الإصرار والترصد.. وممارسة التخريب المرفوض بخيمة السيدة الفاضلة فوزية زينل، وتخريب إعلاناتها عمدا أيضا كما جرى بالأمس.. ومحاولة حرق خيمة الشيخ محمد خالد.. كلها في مجملها ــ وما سيأتي بعدها ــ أعمال قبيحة تشوه صورة البحرين وسمعتها على كل المستويات.. وتهز صورة شعب البحرين.. كما تجيء إساءة بالغة إلى كل مقدسات الفكر الديمقراطي الرصين.. الذي يتمنى الجميع له من كل قلوبهم أن يترسخ ويسود.
ثانيا - أما المسألة الأخرى.. وهي الأنكى والأشد خطورة.. فهي التي تكمن في المحاولات المكشوفة للتأثير على بعض السادة الذين سجلوا أنفسهم بمراكز التسجيل، وأعلنوا على الملأ ترشيح أنفسهم للمجلس النيابي.. وعلى وجه التحديد الذين ينتمون إلى دوائر قروية كمستقلين. ونحن نرى ويرى الجميع أيضا أن الضغوط على هؤلاء تأتيهم من شخصيات ذات نفوذ ديني كبير، والذين طالبوهم بأن يتراجعوا وينسحبوا لإعطاء الفرصة لأشخاص آخرين تم ترشيحهم من قبل جمعيات معروفة بعينها..! أقولها بصراحة: إن الانسحاب أو التنازل الاختياري حق مشروع يكفله الدستور والإرادة الحرة.. وخاصة عندما يرى هذا المرشح المتنازل أو المنسحب أن من ينافسه أقدر منه أو أكفأ في خدمة الوطن.. أو أن هذا المنافس الذي يواجهه يتحلى بصفات فطرية أو فكرية أو اجتماعية أو قيادية أكبر.. هنا يكون الانسحاب أو التنازل أمرا مقبولا بل ومشروعا..
ولكن حينما يأتي الانسحاب أو التنازل في إطار من الابتزاز السياسي الذي وصل ــ وبكل أسف ــ إلى مرحلة التهديد فهذا مستنكر ومرفوض. مثل هذا الذي يحدث أعتقد أن أصحاب الآراء الحرة والضمائر الحية لا يرونه سوى نوع من القرصنة التي تتنافى مع أبسط أبجديات العمل الديمقراطي الذي يضمنه ويحميه الدستور والمشروع الإصلاحي معًا. بعد هذا الذي قلته بوحي من الضمير الوطني ومن دون تجن على أحد فإنني أطالب من فوق منبر الصحافة الوطنية كل السادة المرشحين رجالا ونساء.. بألا يرضخوا لهذا الابتزاز.. وألا يضعفوا أمام هذا الجبروت.. وألا يسكتوا عن ضياع حق أصيل لهم، بل يجب أن تكون لهم مواقفهم الوطنية.. وأن يعلنوا على الملأ ومن خلال هذه الصحيفة المستقلة الحرة مواقفهم الأصيلة، وأن يكشفوا كل الحقائق، بل وأن يفضحوا حقيقة هؤلاء المبتزين الذين يتاجرون باسم الديمقراطية، بينما في الحقيقة هم عتاة الديكتاتورية على هذه الأرض..!
وأقولها بصراحة متناهية: إنه لا وصاية ولا أوصياء على الديمقراطية في بلادنا.. فالذين رشحوا أنفسهم مستقلين ليسوا بالقصر حتى يتم إرشادهم وتوجيههم من خلال هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على مصير الأمة. وعلى رجال الدين الأفاضل أن يعلموا أننا نحترمهم ونجلهم، ونعلي من شأنهم، ونرقى بهم إلى المكانة العلية التي يستحقونها..
لكن في الوقت ذاته يتعين عليهم أن يحترموا هؤلاء الذين رشحوا أنفسهم كمستقلين.. وألا ينظروا إلى المرشحات على أنهن قاصرات فكرا ودينا..! يجب أن تعلموا علم اليقين أن المرشحين المستقلين لهم أفكارهم ولكم أفكاركم.. ولهم أهدافهم ولكم أهدافكم.. وكلها تجيء في إطار الأعراف والتقاليد وليست بعيدة أو متناقضة مع أمور ديننا الحنيف.. والحوارات الحرة حول الآراء والأفكار والأهداف عندما تكون مختلفة أو متباينة أو حتى متصارعة لا تكون إلا من تحت قبة البرلمان وفي إطار المصلحة الوطنية العليا.
أنور عبدالرحمن