قبل أيام قليلة من التئام اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي واليمن الذي من المقرر أن يبحث في صنعاء يوم الأربعاء القادم الترتيبات النهائىة لمؤتمر المانحين، تبدأ اللجنة الفنية المشتركة من كلا الجانبين اليوم مناقشاتها للخطوات الكفيلة بتنمية علاقات الشراكة وسبل اندماج الاقتصاد اليمني باقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي وصولاً إلى التماهي في إطار تكتل إقليمي فاعل ومؤثر.
ومما لا يخفى على أحد أن هناك شوطاً كبيراً قد قطعه الجانبان على صعيد بلورة الرؤى التي تم إقرارها في قمة الملك فهد لدول مجلس التعاون المنعقدة بالعاصمة الإماراتية في ديسمبر من العام الماضي، وتتجلى هذه الصورة في ما أحرزته العلاقات الثنائية من تقدم مضطرد على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، الأمر الذي يشعر معه أي متابع حماسة غير معهودة على إنجاح مؤتمر المانحين، الذي ستحتضنه العاصمة البريطانية لندن منتصف نوفمبر القادم.
ومع ذلك يغدو من الواضح أن فعالية هذا التوجه الجديد، ستبقى مرهونة بمدى واقعية الإجراءات المصاحبة والمعوَّل عليها تحريك جوانب التعاون والتكامل وإقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة وتدفق الاستثمارات الخليجية وتشجيعها على الاستفادة من الفرص الواسعة والمتاحة في اليمن، وبما يسمح بالتقدم نحو «مارشال خليجي» يستفيد منه الطرفان عن طريق توسيع مجالات المنافع المتبادلة بين شعوب ومجتمعات هذه المنطقة التي تربطها وشائج القربى والقواسم التاريخية والحضارية وصلات العقيدة والدم والجوار والمصير الواحد، وتسخير هذا التمازج الانثوغرافي والتداخل الديموغرافي والأمومة الجغرافية والموقع الجيوبوليتيكي الذي يكتسب اليوم أهمية استراتيجية دولية في انسياب المصالح المشتركة وتعزيز عوامل الأمن والاستقرار والسلام الإقليمي.
بيد أن هذا التشابك الذي تراكمت مكوناته عبر آلاف السنين يفرض أن يكون التفاوت في الإمكانيات بصرف النظر عن حجم هذا التفاوت كَبُرَ أو صَغُرَ.. حافزاً وليس عائقاً.. خاصة إذا ما أدركنا أن الترجمة الواقعية لرؤية القمة الخليجية في أبو ظبي لا يمكن تجسيدها على أرض الواقع من خلال طريق الاجتماعات وحدها أو عبر المزيد من الانتظار، وإنما بجدية التعاطي مع المهام الماثلة والاستفادة من الوقت وعدم تضييعه.. خاصة ونحن نعيش في منطقة محفوفة بالمخاطر والتحديات، وأوضاع إقليمية ودولية تموج بالأحداث والتوترات والصراعات على نحو مختلف تماماً عن المراحل السابقة.
ومع تسليمنا بأن اللقاءات اليمنية - الخليجية التي تجرى تحت عنوان «الاندماج والشراكة» معنية بإيجاد الآليات الموصلة إلى تلك الغاية، فإننا من نعتقد أن هذه الاجتماعات ولكي تصبح عملية وذات جدوى فلا بد أن ترافقها خطوات أخرى تعمل على تنشيط الجوانب الاستثمارية والتجارية والتكامل الاقتصادي بين الجانبين وبما يخدم وحدة المصالح وتناميها وتطورها على المستوى الثنائي والجمعي.
ولا نجد في ذلك أية صعوبة تذكر إذا ما تحلى الجميع بروح المبادرة واقترنت الأقوال بالأفعال.
على أن الأمر الثابت والمؤكد -أيضاً- أن أي توجه لإحداث نقلة نوعية في مسار هذا الاندماج يستلزم بطبيعة التحديات والمخاطر التي تتكاثف سحبها الداكنة في سماء هذه المنطقة، سيما أن هذه التحديات والأخطار قد جعلت من عملية الاندماج مسألة حتمية وضرورة أساسية ليس لليمن وحسب، بل ولكافة أشقائها في هذا الجزء الجغرافي الذي لا شك وأنه أصبح في واجهة الأحداث.
ولعل ذلك هو ما يضع قادة دول الجزيرة والخليج أمام مسؤولية تاريخية عليهم التوقف أمامها والتعاطي معها بروح تضامنية تغلب كل ما هو مشترك بالتركيز على كل ما من شأنه خدمة المنافع والمصالح المتبادلة وترسيخ عوامل الأمن والاستقرار وأركان التنمية الشاملة والمستدامة التي تسهم في إنعاش علاقات التكامل بين شعوب هذه المنطقة، وهي استحقاقات لا مجال فيها للتردد، لارتباطها بمعطيات وتحديات المرحلة القائمة وكذا متطلبات ضمان المستقبل من الأحداث العارضة أو المحتملة التي لا سبيل لمواجهتها سوى بالمزيد من التماسك والتلاحم والتكامل بين أبناء الأسرة الواحدة في منطقة الجزيرة والخليج، والتي آن لها أن تستنهض قدراتها مستفيدة من خصوصية العلاقات القائمة بين شعوبها وبما يوفر فرصاً أكبر في إبراز مكانتها وتحقيق حضورها الإيجابي والمؤثر في هذا العصر والانطلاق صوب ما يهيئ لدولها المزيد من المنعة وبلوغ درجات التطور والتقدم التي تكفل لها أمان الحاضر والمستقبل.