مع قيام الجمعية الوطنية الفرنسية بالمصادقة على مشروع قانون يجرم كل من ينكر وقوع مذابح الأرمن على يد الأتراك في مطلع القرن الماضي انفتح الباب لسلاح جديد في لعبة السياسة الدولية هو سلاح الجرائم ضد الإنسانية وبعد نضال طويل لمؤسسات المجتمع المدني للجم شراسة الأنظمة القمعية عبر تحكيم معايير إنسانية تتجاوز حسابات المصالح وتوازنات القوى وتشيع مفهوما لسيادة الدولة إلى مثواه الأخير. ولأول مرة يكسر هذا القانون الاحتكار اليهودي عبر الهولوكوست لصورة الضحية الأبدي والوحيد ليكتشف العالم ـ أو ليعترف ـ بوجود ضحايا آخرين.
من ثقب التسييس
وأول ردود الفعل على القانون الفرنسي هو الرد المتوقع وهو أن الواقعة في حد ذاتها قد تكون صحيحة لكن التوقيت المختار يؤكد على أن المعاناة الإنسانية خضعت لعملية تسييس والنظر للقضايا الدولية من ثقب التسييس يشير إلى ولع عربي بالبحث عن ممارسة سياسية «معقمة» لم توجد يوما ولن توجد وبالتالي فإن دلالات الحدث تظل مهمة بعيدا عن الإلحاح على التوقيت والاستخدام السياسي للموقف الفرنسي لخدمة مصالح فرنسية بعينها وبخاصة في ملف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي ويسود مناخ من الغضب الحقيقي في بروكسل بشأن الموقف الفرنسي وتوقيت تفجيره قبل أقل من 3 أسابيع من نشر المفوضية الأوروبية تقريرا حاسما في 8 نوفمبر المقبل، حول أداء تركيا ومدى استجابتها للمعايير الأوروبية.
ومن يحبسون أنفسهم في ثقب التسييس يريحون أنفسهم من عناء تدقيق الوقائع ومن عبء استيعاب العبر التي تتجاوز الأرمن والأتراك والفرنسيين وتؤكد الحقائق التاريخية أن الأرمن كانوا أحد مكونات الامبراطورية العثمانية وبلغ عددهم في نهاية القرن التاسع عشر حوالي المليونين وفي إطار ما كانت تخوضه الدولة العثمانية من صراعات مع قوى خارجية في إطار مسار طويل من عمليات تفكيك الدولة حدثت كارثة إبادة الأرمن وأول مراحل الإبادة كانت بين أعوام 1894 إلى 1896،
حيث عمد السلطان العثماني لشن حملة إبادة على الأرمن بذريعة مطالبتهم بما سمي وقتها ب«الانفصال» في ظل امبراطورية يشتد فيها التأثير القومي المنادي بقيام أمة تركية وراح ضحية هذه الحملة ما يقارب 200 ألف إلى 250 ألف شخص. «وفي هذه الفترة هرب الكثير منهم كما قام الجيش التركي بإزالة ما يقارب 350 قرية أرمنية من الخريطة حسب ما يروي الكاتب الأميركي جورج هيبورث،
خلال مشاهداته بعد عامين من الواقعة، ولما يرويه الكاتب الأميركي أهمية شديدة من منظور أنه يضع الجريمة في سياقها الحقيقي كجريمة تتحملها الثقافة الطورانية المتطرفة فهي من ثمار الصعود السياسي الكبير للتيارات التركية القومية المتطرفة التي أبقت على السلطة الشكلية للخلافة وارتكبت الجرائم باسم «الخلافة العثمانية».
ويكمل الكاتب الأميركي: المرحلة الثانية كانت في عام 1909 وهنا راح ضحية الإبادة ما بين 20 ألفاً إلى 30 ألف أرمني وتتابعت عمليات القتل والإبعاد والتشريد حتى شهد عام 1915 حملة تهجير كبرى لمن بقي منهم على قيد الحياة، حيث تم تهجيرهم جنوباً، «وفي الطريق يروى الكثير عن عمليات القتل والاغتصاب والخطف». وبلغت عملية الإبادة ذروتها في أعوام 1914 ـ 1915،
حيث تذرع العثمانيون (تحت تأثير حزب تركيا الفتاة، وهو حزب قومي ينادي بالأمة التركية)، بأن الأرمن وقفوا إلى جانب الروس في الحرب العالمية الأولى، (بينما كان الأتراك يساندون الألمان)، لاستكمال «عملية التطهير العرقي». وهنا يذكر أن طلعت باشا وزير الداخلية التركي، كان أرسل برقية إلى معاونيه يشدد فيها على تصميم الحكومة على التخلص من كل ما هو غير تركي.
اعتمد الأتراك وقتها على المساندة الألمانية للتعتيم على ما جرى، وتم تبريره على أنه تحريك لمجموعة سكانية بدواع عسكرية، أما ألمانيا فقد ذهبت إلى حد استضافة بعض من كان مسؤولاً عن هذه المذابح مثل طلعت باشا. وفي عام 1920 وقع الحلفاء والامبراطورية العثمانية معاهدة تقضي بمعاقبة مرتكبي المذابح، ولكن هذه المعاهدة تلاشت مع صدور عفو عام من قبل مصطفى كمال أتاتورك عام 1923،
الذي أكمل بدوره عملية تأسيس تركيا (الدولة ذات اللون الواحد إذ قام بإقصاء اليونانيين) ومنذ ذلك الوقت ترفض الحكومات التركية المتعاقبة الاعتراف بحدوث مثل هذه المذبحة. وكان يجب انتظار حلول عام 1980 ليعترف الأوروبيون رسمياً بما حصل، فقد أقر البرلمان الأوروبي حدوث مثل هذه المذابح في تصويت في 18 يونيو 1987.
تكريم رداً على التجريم
والغريب أن من يدينون القانون الفرنسي لم يثر غضبهم وجود مادة في القانون التركي هي المادة 301 من قانون العقوبات «المعدل» وتعاقب من يقول إن الأرمن تعرضوا لحملة إبادة إبان الحكم العثماني، وكأن الاقتناع أو عدم الاقتناع بصحة واقعة تاريخية يجوز أن يكون موضوع عقاب قانوني! وقد قُدم ثمانون كاتبا وصحافيا تركيا للمحاكمة خلال العام الماضي بموجب هذه المادة من القانون الجنائي التي تجرم الأحاديث والكتابات التي تشوه القومية التركية.
وفي إطار اللعبة السياسية كانت جائزة نوبل في حالات كثيرة سلاحا من أسلحة التأثير في الضمير الإنساني ويظل مثال حصول القس الجنوب إفريقي المناهض للتفرقة العنصرية ديزموند توتو الذي كان حصوله على جائزة نوبل للسلام الرصاصة الأولى في معركة إسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا نموذجا لهذا الدور الذي تستخدم فيه الجائزة.
وفي هذا السياق ينظر إلى إعلان منح جائزة نوبل للآداب للعام 2006 للروائي التركي أورهان باموق الذي يقر بوقوع مذابح تركية بحق الأرمن والأكراد، وهو قد صرح في فبراير 2003 لمجلة سويسرية بأن «مليون أرمني و30 ألف كردي قتلوا على هذه الأرض، لكن لا أحد غيري يجرؤ على قول ذلك». وقد تمت ملاحقته قضائيا أمام القضاء التركي بسبب «الإهانة الواضحة للأمة التركية».
ولنختم بقول هوراس إنجدال السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية تعقيبا على فوز باموق: «عادة عندما تعلن الجائزة تتزايد التكهنات بأن هناك نوايا خفية ذات طبيعة سياسية أو طبيعة أخرى بأننا أردنا أن نقول شيئا بمنح الجائزة هذا العام. هذا ليس صحيحا». وقد انطوى صدور القانون الفرنسي على مفارقة أخرى من مفارقات التاريخ هي أن من قنن تجريم إنكار الإبادة هو نفسه صاحب تاريخ في ارتكاب الجرائم في حق الإنسانية، وقد انفتح الباب بهذا القانون الفرنسي لمحاكمة المتهم والقاضي معا!
كاتب مصري
