إلى أين تسير الأوضاع بالعراق ؟ ومتى يرى شعبه الضوء ولو خافتا في نهاية النفق المظلم الذي يمر فيه ؟ بداية لا يمكن فصل ما يدور على أرض الرافدين من قتل واختطاف وصراعات، عما يجري في واشنطن ويصدر عنها من قرارات وتوصيات ومواقف.

وإذا كانت خسائر الأميركيين بالعراق في شهر أكتوبر الحالي هي الأعلى على مدار العام، فإن الأمر بحاجة إلى مراجعة جادة من جانب إدارة بوش التي مازالت تصر على صحة خطتها العسكرية والأمنية بالعراق.

وإذا كانت لغة الأرقام هي الأصدق (انباء)، فان تلك (اللغة) تؤكد مقتل نحو مئة جندي أميركي خلال الشهر الحالي، وارتفاع عدد إجمالي القتلى الأميركيين إلى نحو ألفين وثمانمئة،الأمر الذي وضع إدارة بوش والجمهوريين عموما في حرج شديد قبل أيام من معركة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. أمام هذه الحالة، ومع انخفاض شعبية الرئيس بوش بين الأميركيين، وبلير بين البريطانيين، فإن الرئيس الأميركي مازال مصرا على بقاء قواته بالعراق (طالما في ذلك ضرورة لتحقيق النصر).

ورغم تمسك الرئيس بوش بموقفه، فانه يحاول من خلال إدارته القيام بما سماه (تعديلات تكتيكية تعطي صلاحيات أكبر لقائد القوات الأميركية والسفير الأميركي بالعراق). وفى محاولة لتبرير هذا الموقف، لوح بوش بسيناريو يقوم على شرق أوسط (ينتصر فيه التطرف ويصبح فيه حلفاء مثل إسرائيل محاصرين بقوى معادية بشكل استثنائي، وتملك فيه إيران السلاح النووي، وتصبح فيه الحكومات تحت سيطرة متطرفين يقطعون إمدادات النفط عن الغرب).

يرى المراقبون أن الوضع بالعراق، وخسائر الأميركيين المتزايدة في الفترة الأخيرة، تمثل بالفعل نقطة ضعف كبرى في حملة الجمهوريين نحو التجديد في الكونغرس، الأمر الذي دعا مجموعة منهم لتوجيه رسالة للرئيس بوش تحثه فيها على (أن يسارع بنشر قوات عسكرية عراقية في قلب المعركة، عن طريق إرسال عشرين كتيبة عراقية من بين مئة وأربع عشرة دربها الأميركيون في بغداد).

وفى هذا السياق قال دنكان هنتر النائب عن كاليفورنيا ورئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، واثنان وثلاثون نائبا جمهوريا آخر في رسالتهم (انه مع اشتداد المعارك بالعراق، تزداد الحاجة لإرسال كتائب إلى قلب المعركة). الوضع البريطاني ليس أفضل حالا، حيث قال مسؤول عسكري أميركي ان الجيش البريطاني يأمل في سحب قواته من العراق خلال عام، لأن الحكومة تريد أن تركز جهود قواتها على الحرب في افغانستان. وأضاف المسؤول الأميركي ان مسؤولين بريطانيين أبلغوا نظراءهم الأميركيين،بأن الجيش البريطاني (يقترب من نقطة الانهيار بسبب انتشاره لفترة طويلة بالعراق).

وفى هذا السياق يمكن فهم مغزى نتائج الاستطلاع الذي أجرته صحيفة جارديان، والذي أظهر أن أكثر من ستين بالمئة من الناخبين البريطانيين، يريدون سحب قواتهم من العراق خلال العام الحالي. في النهاية يمكن القول، ان الوضع أصبح حرجا للقوات الأميركية والبريطانية بالعراق، الأمر الذي وضع بوش وبلير في مأزق حقيقي، يفرض عليهما التصرف بسرعة وحكمة لإنقاذ ما تبقى من شعبيتهما. ولتحقيق تلك الغاية، فإنه ينبغي على القابع بالبيت الأبيض والعاشر من داون ستريت، الاعتراف أولا بصعوبة الوضع العراقي، وإشراك الحلفاء والأصدقاء في المنطقة في كيفية معالجة هذا الوضع، فهم أكثر دراية بكيفية حقن دماء العراقيين، لأن أهل مكة أدرى بشعابها.

haniihanii@hotmail.com