«صبر أميركا ليس بلا حدود» بهذه الكلمات الخمس وجه الرئيس الأميركي بوش إنذاراً عنيفاً إلى رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي، ما يعني أن الإدارة الأميركية قررت رفع غطائها عن الحكومة العراقية، وهي التي كانت محل مساندة معلنة قبل يوم الأربعاء الماضي، وهو اليوم الذي وجه فيه بوش إنذاره.

صدور مثل هذا الإنذار العنيف لا معنى له سوى أن الأميركيين ضاقوا بهذه الحكومة، وأنها صارت عبئاً ثقيلاً عليهم، ولم يعد بإمكانهم كتمان سخطهم عليها وعدم رضاهم عنها، وأن واشنطن لم تعد قادرة على تحمل إخفاقات هذه الحكومة، وأنها بسبيلها للتضحية بها، رغم أن الإدارة الأميركية هي التي خاضت من أجلها معركة سياسية مطولة مع القوى العراقية المتعاونة مع واشنطن، حتى استطاعت فرضها عليهم، خلفاً لحكومة الدكتور إبراهيم الجعفري، التي منيت من قبل بفشل ذريع.

انتقادات بوش اللاذعة هي أبلغ تعبير عن صعوبة المأزق الأميركي في العراق، ولمدى الضرر الذي لحق به ولحزبه الجمهوري لدى الناخب الأميركي، مع دخول انتخابات التجديد للكونغرس. لقد باتت الإدارة الأميركية مستعدة للانقلاب على أهم أعوانها بالعراق، واستحضار غيرهم للهروب من مأزقها المتأزم كل يوم، مع ارتفاع أعداد القتلى من جنودها (حتى ساعة الإنذار) إلى نحو مائة جندي ، وبذلك أصبحت إدارة بوش في مرمى مدافع خصومها ومنتقديها. فكلما ارتفع عدد القتلى كلما هبطت أسهم بوش وحزبه.

صحيح أن هناك انتقادات عنيفة لحالة الفوضى التي يعيشها العراق، كما أن الحديث عن فرق الموت يعلو مع تعاظم ظاهرة الجثث المجهولة يومياً، لكن جثث الجنود الأميركيين هي وحدها من تهز الساحة الأميركية وتحرك الناخب الأميركي. وهذا نجاح يحسب لفصائل المقاومة العراقية دون غيرها. فقد اختارت المقاومة توقيت الانتخابات لترفع أعداد القتلى الأميركيين، ولتجبر إدارة بوش على الاعتراف بفداحة خسائرها وصعوبة موقفها، ولتجبرها أيضاً على طلب التفاوض، لمحاولة إنقاذ نفسها من المأزق.

وعندما نقارن موقف إدارة بوش من حكومة المالكي، وموقفها من المقاومة العراقية. نجدها لا تقيم كثير وزن للأولى، بل انها تهينها علناً فيما تسعى لكسب ود الثانية لأنها قادرة على إلحاق الخسائر بها، وإدماء جنودها، في ظل إدارة المقاومة لمعركتها باقتدار وفق أهداف وتوقيتات محسوبة مكنتها من تأزيم موقف إدارة بوش، ومحاصرتها داخلياً بالانتقادات، لذا فمن المتوقع أن تزيد المقاومة هجماتها لإنزال المزيد من الخسائر بأرواح الجنود الأميركيين، مما يساهم أكثر في عزلة بوش وإدارته، كلما اقترب يوم الانتخابات أكثر فأكثر.

وشتان بين مشهد الرئيس الأميركي خلال مؤتمره الصحافي يوم الأربعاء الماضي، وهو يتحدث عن خططه الجديدة في العراق، وبين مشهده وهو يهبط من طائرة عامودية مرتدياً زي الطيارين الأميركيين فوق حاملة الطائرات «لنكولن» عشية احتلال العراق، معلناً «انتصار» أميركا وانتهاء العمليات العسكرية.

المشهدان مختلفان تماماً، فقد بدا الرئيس يوم الأربعاء الماضي قلقاً مرتبكاً إلى حد الانكسار، فيما كان فوق حاملة الطائرات منتشياً بوهم «الانتصار». ففي المسافة بين المشهدين استطاعت المقاومة تغيير الصورة، وحشر بوش في الزاوية الضيقة.

فالفضل كله يعود لها وليس لأعوان الاحتلال الذين يتلقون الصفعات على الهواء مباشرة وأمام عدسات المصورين.