تعتبر منطقة الخليج العربي أحد الأقاليم في العالم الذي يمثل فيه العمل الأجنبي نسبا عليا تفوق العمالة المحلية من السكان وقوة العمل. وهي في هذا تستقبل عمالة عربية وأخرى أجنبية أكثر منها بكثير. بعض هؤلاء استوطن المنطقة وأستقر فيها لعشرات السنين، إلا أن بعضها الآخر قد وفد إليها أو استوطن فيها حديثا. وإذا كان البعض من هؤلاء قد طبع بصماته في نهوضها وتطورها الاقتصادي والثقافي المعاصر، فإن البعض الآخر منها قد أحدث قدرا من الإرباك في نسيجها الاجتماعي وبنائها السياسي.

وإذا كان البعض من هذه العمالة قد وجد في هذه المنطقة وطنا وأرضا فَقدم إليها أفضل ما لديه من معرفة وخبرة وقيم ثقافية ونمط أو أنماط حياة، فإن البعض الآخر قد قدم إليها أسوأ ما في عقله وعلمه وقلمه. وإذا ما كان البعض له فضل نقل قيم الحداثة والرقي والتطور إلى هذه المنطقة، فإن البعض الآخر قد نقل إليها مناظيمه الفكرية والقيمية البالية وفهمه المتخلف للعالم والآخر، بل أنه قد ساهم بدراية ووعي في بث الفرقة والفتنة الاجتماعية في نسيجها الاجتماعي، فكانوا بحق خبراء فتنة وفرقة وشقاق.

وإذ نقرر سلفا ونقول ان قولنا هذا لا يحمل موقفا مقللا من الدور المفصلي والأساسي الذي تلعبه الخبرات الوافدة في تنمية المنطقة ورقيها. إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن ليس كل من وفد لهذه المنطقة ذا قيمة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو معرفية مضافة، سواء أكان ذلك في أطره الفنية والتقنية والمعرفية أو في أطره المجتمعية ـ الثقافية. بل أن البعض من هؤلاء ونتيجة لهالة اللقب المعرفي الذي يحملونه؛ كخبراء ومستشارين ومتدكترين.. الخ،

مقابل آخرين من بعض المحليين الذين أتسم أداؤهم الوظيفي والثقافي بالضعف، فإن أشخاصاً كهؤلاء يبدون في نظر بعض المحليين عقولاً وخبرات معرفية لا تضاهى، وقد يرتفع قدر بعض هؤلاء إذا ما كان حافظا لأبيات شعرية قديمة أو تظاهر بمعرفة بعض من علوم الدين، وبعض هذه الخبرات ينطبق عليها بحق القول الشعبي الشائع من أنها «تتعلم التحسونة في روس القرعان».

وليس بخاف أن بعضا من هذه الخبرات قد نشأ في دولة أو دول عربية وصفت بكونها أنظمة شمولية لم يعرف تاريخها المعاصر خبرة بالرأي الآخر، أو أنها لم تدرب على ثقافة التسامح والقبول بالآخر. بل إن بعض هؤلاء ونتيجة لانخراطه في جهاز الدولة العربية الحزبي ولربما مليشياتها العسكرية ذات التوجه «الفاشي»، فإن تنشئته السياسية وبالتالي ثقافته السياسية في ذلك لا تختلف في جوهرها عن الكثير من القيادات الأتوقراطية الدكتاتورية المعروفة في العالم العربي،

رغم علو الألقاب والمسميات العلمية والوظيفية التي تحملها، ورغم حصول بعضهم على قسط ليس بقليل من المعرفة العلمية الخارجية، بل أن بعضا من هؤلاء قد عمل قريبا من رموز الدولة العربية الشمولية.لذا فليس مستغربا أن يأتي موقفهم من الآخر في معناه وفي أطره العامة بقدر ليس بقليل من العداء والرفض المرضي.

وتكمن الخطورة في ذلك أن تلتقي مثل هذه النزعات والمواقف اللاعقلانية واللارشيدة إطلاقا مع بعض النزعات العصبوية المحلية التي إذا ما سمح لها بأن تتشكل وأن تتمأسس فإنها بالتالي ستخرج بحمم بركانية مؤذية بالمجتمع ككل، ليس في حالته الآنية المعاصرة فحسب، وإنما ستمثل هذه لبنات مفصلية خطيرة في تشكيله وكيانه المستقبلي. فلا مجتمع يمكن أن يتشكل ويبنى وينمو على مفصلية الشقاق والفرقة وإن كان لبعض ذلك حضورا في إحدى مراحل نموه وتطوره.

وتكمن خطورة بعض هذه الخبرات في أنها على الرغم من معرفتها بمواقع الخلل في البنيان المجتمعي العام إلا أنها تتجه نحو تبني تقديم «النصائح» المسيئة للمجتمع، أكثر منها تبين حلولاً ومداخل جديدة تزيد من عضد المجتمع وتدفع نحو تحديثه. وهي في هذا وبحكم قدراتها السفسطائية الإقناعية واللغوية تزيد من مخاوف السلطة أو السلطات المحلية من الآخر المحلي أو الآخر الخارجي (الجيران وأوروبا وأميركا)، وتشجع على تبني سلوك الإقصاء والنفي للآخر :ليس في أطره السياسية والثقافية فحسب وإنما هو كذلك في أطره الاقتصادية والاجتماعية.

وليس بخاف على أحد أن الكثير من التشريعات والأنظمة المنظمة للنشاط التي عرفتها المنطقة قد تم توطينها في هذه المنطقة على يد «الخبرة الخارجية»، بل يمتد ذلك ليشمل بعض التشريعات المقيدة للحريات ولربما المعيقة لأي تطور حقيقي في التجارب الديمقراطية المحلية، وهي تشريعات وأنظمة قد تم سنها في الأساس لدول لم تعرف غير الشمولية كنظام للحكم تنتظم وفق إيديولوجية محددة أو مركبة.

وتمتد هذه الخبرات لتشمل الكم الكبير «الخبرات الوعظية» التي باتت تغص به دول المنطقة كما هي باتت تغص بكم كبير منها الفضائيات الوعظية وغيرها، وباتت ما سمي بفتاويهم وأحاديثهم الوعظية وغيرها مصادر للفتنة والشقاق في المجتمع، وضاقت في ظل قوة حضورهم ولربما سطوتهم الرمزية مساحات اليسر وتضخمت بفعلهم مساحات العسر. فمتى يا ترى يمكن أن يأتينا الوعي بأنفسنا وبواقعنا الآني والمستقبلي، سؤال بت أبحث له عن إجابة أو إجابات فيما تبقى من وعي لدينا !.

كاتب بحريني