فرض مجلس الأمن الدولي يوم السبت بتاريخ 14 أكتوبر 2006 عقوبات اقتصادية وتجارية على كوريا الشمالية، والتي أعلنت في التاسع من أكتوبر إجراء تجربة نووية، بعد أن طالبها المجلس بأن تمتنع عن أي تجربة جديدة وتعود إلى المفاوضات السداسية. وقد اتخذ مجلس الأمن قرار العقوبات بالإجماع ( القرار رقم 1718).
وبذلك تدخل كوريا في دائرة الحصار الأكثر تشديدا، قد يقود في نهاية المطاف إلى إجراءات عسكرية أوسع إذا لم ترضخ للمجتمع الدولي وتعود إلى طاولة المفاوضات. وبذلك تدخل كوريا وفق التصنيف الأميركي البلد رقم اثنين من مثلث محور الشر، وتبقى إيران بعد سقوط العراق تنتظر ماذا تفعل مع الوضع العالمي الجديد، فهل تواصل في عنادها ورفضها أم تقبل بالضغوطات والعودة لطاولة المفاوضات.
لقد صارت عملية العقوبات على كوريا الشمالية واقعا فعليا ينبغي أن تفهم الجمهورية الإسلامية مغزاه وأبعاده، فهي تعتبر كوريا الشمالية نموذجا للدول النامية التي رغم اقتصادها المنهار وعزلتها الدولية الطويلة نجحت في بناء ترسانتها النووية، متناسية إيران أن هذا النموذج والمثال هو نتاج من نتاجات الحرب الباردة والثنائية القطبية وزمنها، بينما الواقع والظروف التي تعيشها إيران دوليا مختلف.
دون شك أن القرار 1718 رسالة واضحة لتمسك إيران بخياراتها النووية وبتمترسها بأسرار ومواقف تبعث على الشك والريبة بحجج حقوقها السلمية في بناء تلك المفاعل النووية ! فكيف نفهم هذا المحور الجديد لما وراء المحيط ؟ المسألة سهلة جدا، فليست الأفكار البوليفارية الثورية التحررية هي الأرضية المشتركة لهما كما هي العلاقة مع كوبا، فإيران تستمد مرجعيتها الثورية والأيديولوجية من شخصيات دينية ومن فكر يناهض العلمانية،
لهذا لا يوجد رابط فكري لهذا التحالف، بقدر ما يربط ما بين المحور تلك العدائية المتناهية للولايات المتحدة، وبسبب رغبة الولايات المتحدة أن لا يتحول العالم إلى محاور خطيرة تتحكم في مفاتيحها دول نفطية بحجم إيران وفنزويلا، وتتصرفان في العالم بأفق التحريض الثوري ضدها وكأنهما تعودان بعقرب الزمن للحرب الباردة.
إن روح الثورة والاستنفار الثوري بمعطفه اللاتيني كان قديما منذ بوليفار وخوسيه مارتي إلى أن انتهى بكاسترو وبالحركات اللاهوتية واليسارية في أميركا اللاتينية، بينما تعرجات التاريخ الإيراني الحديث يستمد فكره وتوجهاته منذ عهد الشاه من الجذور الغربية والحداثة الغربية، بخلاف ما طرحته الثورة الإسلامية من آراء ومواقف صدامية حادة قادتها إلى عزلة داخل المجتمع الدولي. ووجدت فنزويلا نفسها في السنوات الأخيرة تدخل صداما مستمرا مع الولايات المتحدة، جعلتها تبحث عن شركاء وحلفاء يشاطرونها المصالح المشتركة بهدف الدفاع الذاتي عن البلاد والنظام.
بتلك الشروط والمصالح وجدت إيران وفنزويلا نفسيهما تحتاجان إلى مثل هذا المحور وتنطلقان في علاقاتهما من ذلك المنظور التقليدي لمقولة ( عدو عدوي صديقي ) ويبدو أن دعاة هذا المحور وجدوا نصائحهم من الحلفاء التقليديين. لهذا كانت سوريا وكوبا وما تمثلانه من علاقات قديمة، فإن البلدين كانا وما زالا عرضة لمشاريع الغزو الأميركي.
وبروح الثورية بخطابها الجديد وان كان بمسحة ثورية السبعينات، فإن الرئيس الإيراني نجاد حالما وصل ارض فنزويلا قال ( احيي جميع الثوريين الذين يعارضون الهيمنة على العالم ) ثم صرح لاحقا بحماسة مماثلة تذكرنا بخطاب الاستنفار الثوري القديم لاندلاع الثورة الإسلامية، ولمرحلة الشباب والانتماء المتواصل لروح الحرس الثوري قائلا: ( ربما كانت المسافة بين بلدينا بعيدة إلى حد ما، لكن القلوب والأفكار متقاربة للغاية ).
وطبعا متقاربة في العداء المشترك لخصمهم اللدود، ولم يقل نجاد متطابقة، مع الرفاق في كوبا ولا أحفاد سيمون بوليفار المتأثر بأفكار الحداثة والعلمانية والتنوير والتحرر باتجاه مختلف عن أفكار إيران الإسلامية. ومع ذلك أكد الرئيس الفنزويلي شافيز، أن زيارة الرئيس نجاد لبلاده ستقوي التحالف الاستراتيجي بين البلدين، لكونهما يقودان جبهة من الدول النامية المناهضة لواشنطن.
ووقع الرئيسين نجاد و شافيز 29 اتفاقا بعد المفاوضات والمحادثات الودية شملت مجالات إنتاج الصلب والسيارات المخصصة لاحتياجات الدول النامية واستكشافات النفط وغيرها من المشاريع الاستثمارية والتجارية. وتخطى المحور مسألة الاستقبال البرتوكولي الاستثنائي، حيث استقبل الرئيس الإيراني استقبالا عسكريا حافلا من قبل حرس الشرف. يقابل هذا الاستقبال دعم الجمهورية الإسلامية طلب فنزويلا الحصول على مقعد في مجلس الأمن وبدفاع فنزويلا واستقتالها بحق إيران النووي.
ويتلخص محور التحالف الاستراتيجي بين الدولتين إلى خلق اتحاد يسعى لتوازن في العالم ولإنقاذ المستقبل من هيمنة الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة !!. وقد أعلن شافيز خلال قمة حركة عدم الانحياز الأخيرة في كوبا انه سيدافع عن إيران التي رأى أنها واقعة تحت تهديد الغزو، بعد تجاهلها لمطالب الأمم المتحدة بوقف تخصيب اليورانيوم.
وبدا خطاب، شافيز ونجاد، في الأمم المتحدة أمام الجمعية العامة خطابا موحدا في الروح والمضمون، حيث اتهما معا مجلس الأمن الدولي باستغلال المجلس لخدمة مآربه الخاصة، وبات مجلس الأمن قاصرا على خدمة مصالح قوى معينة، ثم عاد الاثنان وهاجما بريطانيا والولايات المتحدة ولم ينسيا أيضا إسرائيل.
واختزل نجاد خطابه بعبارة: ( يجب إنقاذ مجلس الأمن من سيطرة الدول الكبرى، وان استغلال مجلس الأمن كوسيلة للتهديد والإكراه لهو في الحقيقة مبعث قلق بالغ )، وهدد شافيز في شهر أغسطس أحد طرفي المحور بقطع العلاقات مع إسرائيل وبسحب القائم بالأعمال التابع لبلاده في إسرائيل معلقا على الهجوم الإسرائيلي على لبنان بقوله: ( لقد جنت إسرائيل بما تقوم به من هجوم على الشعبين الفلسطيني واللبناني ) ووصف ما تقوم به إسرائيل بهولوكوست جديد.
ويعمل شافيز ونجاد على تقوية حركة عدم الانحياز كتجمع دولي، فقد ذكر نجاد بهذا الصدد، أن الولايات المتحدة تحول مجلس الأمن إلى منبر لفرض سياساتها.. علينا تعزيز حركة عدم الانحياز ويجب أن تلعب دورها بشكل اكثر فعالية. ونجده يستشهد بالنموذج الكوبي واستلهام العناد الكوري!! بقوله: ( لقد حاربت كوبا لكي تتحرر من الإمبريالية وهي مصدر الهام لشعوب العالم ).
كاتب بحريني
