تبدو الصورة العالمية المتعددة الحضارات والثقافات والديانات والأيديولوجيات والسياسات أشبه بصورة لعدة تظاهرات تر فع العديد من اللافتات والشعارات المتعارضة أو المتناقضة أو المتقاطعة، يختلط فيها ما هو سياسي بما هو ثقافي، وما هو اجتماعي بما هو اقتصادي، وما هو حضاري بما هو ديني، وتتنوع شعاراتها، وتتعدد ألوانها، وتتباين اتجاهاتها، وتختلف أهدافها تبعاً لاختلاف منطلقاتها.

فلافتات الديمقراطية ترتفع في مواجهة الاستبداد، والسلام في مواجهة الحروب، والإيمان في مواجهة الإلحاد، والعلمانية في مواجهة الثيوقراطية، والحرية في مواجهة القهر، والتعددية في مواجهة الأحادية، واحترام الآخر في مواجهة ازدراء ثقافات الآخرين، والحوار في مواجهة العنف، والمقاومة في مواجهة الاحتلال، وحقوق الإنسان في مواجهة الظلم والاستغلال.

ليكن ذلك مقبولاً أو على الأقل مفهوماً في عالم متنوع بطبيعته ومتعدد بطبعه باختلافات اللغة والدين والثقافة والبيئة والجنس والتاريخ والأهداف والمصالح، لكن ما هو غير مفهوم وبالتالي غير مقبول، هو أن تسعى أمة من الأمم، أو جماعة من الجماعات بدوافع العنصرية أو بدعاوى التفوق أو بإغراءات القوة لمحاولة إلغاء ثقافات الآخرين لفرض ثقافتها أو سياستها على غيرها من الجماعات والأمم لتحقيق مصالحها على حساب الآخرين.

غير أن ما لا يمكن أن يكون مفهوماً ولا معقولاً في المشهد العالمي اليوم هو أن يتناقض حملة أي لافتة وأنصار أي شعار مع ما يرفعونه على أرض الواقع فيصبحون شهود زور على مبادئهم، فاقدين لأي منطق، وممثلين فاشلين على مسرح ثقافي أو مهرجين في سيرك سياسي.

في مسرح اللامعقول السياسي وفي سيرك العبث الثقافي تفاجئنا الكثير من الصور المقلوبة أو المشاهد المتناقضة مع اللافتات المرفوعة والشعارات الموضوعة، ليست في جانب واحد من هذا العالم وإنما باتت سمة الغالبية، لكن التناقض الصارخ يبدو أكثر مدعاة للدهشة والاستغراب حين يكون مصدره أصحاب الصوت العالي والادعاء الزائف المتعالي في هذا العالم، وحين يكون مصدر النفاق والخداع والكذب من الغرب الذي يكيل الإهانات لثقافة العرب ويقيم المحاكم لعقائد الشرق.

في صورة لهذا الغرب المتناقض مع ما يرفع من شعارات، وهو الداعي للديمقراطية والمقاتل والقاتل وراء قيادته الأميركية، لفرضها على الشعب الأفغاني وعلى الشعب العراقي، بينما يحاصر الشعب الفلسطيني ويضغط اقتصادياً ودعائياً لإسقاط حكومته الإسلامية المنتخبة بإرادته عقاباً له على اختياره الديمقراطي، وهي تكرار لمواقفه المتكررة سواء في الجزائر عندما فازت جبهة الإنقاذ الإسلامية بغالبية كبيرة في انتخابات ديمقراطية وضغطوا من الخارج على الجنرالات في الداخل لإلغاء نتائج الانتخابات، هكذا عيني عينك بحجة إنقاذ الديمقراطية، من ماذا ؟ من الديمقراطية!

وفي تركيا عندما فاز حزب الفضيلة الإسلامي بقيادة «نجم الدين أربكان» في انتخابات ديمقراطية وضغطوا من الخارج على الجنرالات في الداخل لمحاكمة أربكان، وحل حزب الفضيلة عقاباً له على الاحتفال بيوم القدس بحجة الخروج على مبادئ العلمانية، وفي تركيا أيضاً في ظل الديمقراطية العلمانية الغربية التي تدعي أن فصل الدين عن الدولة لا يلغي حقوق الأفراد في الانتماء الديني واحترام الحرية الشخصية،

وفي بلد ترتدي أكثر من نصف نسائه المسلمات غطاء الرأس، يجري فصل النائبة الإسلامية المنتخبة ديمقراطياً «مروة قاوقجي» من عضوية البرلمان، ويتم تجريدها من الجنسية التركية.. لماذا ؟ لأنها فقط وضعت «إيشارباً» على رأسها!ومع ذلك تأبى الثقافة الديمقراطية العلمانية الأوروبية ضم تركيا للاتحاد الأوروبي وهي التي تقع نصف أراضيها في أوروبا بحجج مختلفة، ورغم استيفائها للشروط الغربية وبدء المفاوضات معها لإعلان عضويتها، طلعت علينا فرنسا الديمقراطية العلمانية بقانون مثير للجدل والاستغراب بهدف منع شعب تركيا المسلم من عضوية الاتحاد الأوروبي ليبقى نادياً مسيحياً فقط!

قانون يفرض على تركيا الاعتراف بما أسمته فرنسا مجازر إبادة ضد الأرمن المسيحيين على يد النظام العثماني خلال الحرب العالمية الأولى، في الوقت الذي لم تساءل الديمقراطية العلمانية الفرنسية فرنسا إبان عهدها الاستعماري عن المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال الفرنسي ضد الجزائريين المسلمين في الجزائر، بل على العكس من ذلك تحتفل فرنسا بتمجيد الاستعمار الفرنسي، وترفض مجرد الاعتذار للشعب الجزائري عما ارتكبه من قتل مليون ونصف مواطن جزائري قبل إجبار المحتلين على الانسحاب.

نفسها فرنسا وبريطانيا الديمقراطية الغربية العلمانية، دعاة الحرية الشخصية وعدم التمييز الديني والعنصري وحقوق الإنسان هي التي تجبر وتهاجم المسلمات الفرنسيات والبريطانيات من أصول عربية على نزع غطاء الرأس وعلى اضطهاد المحجبات، بينما شعارات الحرية فقط في بلاد الحرية وتحت لافتات الديمقراطية العلمانية هي للعاريات فقط. وهي حقوق الإنسان نفسها بالمفهوم الأوروبي الديمقراطي منذ عهد «الماجنا كارتا» وحتى الآن التي تتسم بمضمون تمييزي عنصري حين تعني فقط حقوق الإنسان المسيحي واليهودي الأبيض، ولا عزاء للمسلمين.

ولهذا لا نستغرب كثيراً حينما يبدون أمام شعوبنا العربية والإسلامية غارقين في التناقض، وناضحين بالازدواج في المعايير حين يؤيدون إرهاب الدولة الإسرائيلي ضد الشعب اللبناني والفلسطيني وإرهاب الدولة الأميركي والبريطاني ضد الشعب العراقي والأفغاني بل ويبررونه، بينما ينددون بمقاومة أفراد أو جماعات من هذه الشعوب ضد الاحتلال، باعتبار المقاومة إذا كانت عربية وخصوصاً إسلامية تصبح إرهاباً، والإرهاب حين يكون صهيونياً أو غربياً وخصوصاً أميركياً يصبح دفاعاً عن النفس أو حرباً ضد الإرهاب.

لكننا في الشرق العربي أيضاً نفقد منطقنا أمام الغرب المتناقض إذا كنا شهود زور على مبادئنا ونفعل عكس ما نقول ونعزل الإسلام عن الحياة في بلادنا بينما نغضب بشدة رفضاً لما يقوله الغربيون عنا ضمن حملتهم الصليبية الجديدة، خصوصاً مع ملاحظة ظهور أعراض «فوبيا» مرضية من الإسلام على بعض مسؤولينا وبعض وسائل إعلامنا الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا في الشرق مجرد صدى باهت لهذيان الغرب.

فهل المطلوب في صياغة جديدة للديمقراطية أن يبقى الغرب بلا مسلمين، أم أن يبقى المسلمون في الشرق بلا إسلام؟ وأن تكون الحرية كل الحرية للغرب وحده، ولا حرية لشعوب الشرق؟ مجرد أمثلة قليلة.. والبقية أكثر مدعاة للعجب والاستغراب في هذا العالم السائر على رأسه والمتناقض مع نفسه تحت لافتات خادعة وشعارات زائفة سواء في الشرق أو في الغرب!