تبقى القضية الفلسطينية رغم كل التحولات التى شهدتها في سياقها العربي من تراجعها على أجندة الأولويات السياسية العربية لأسباب كثيرة بعضها يتعلق بالسياسات العربية ذاتها، وبعضها بسبب تحولات في ألأجندة الدولية، وبعضها يتحمله الفلسطينيون أنفسهم لسوء إدارتهم لقضيتهم، ولحالة الإقتتال الداخلي التى باتت مشهدا عاديا في حياتهم اليومية ولتنازعهم على الحكم والسلطة مما تسبب بأضرار كبيرة لحقت بالقضية الفلسطينية،
رغم كل ذلك تبقى القضية الفلسطينية تشكل قضية قومية لا يمكن لأي دولة عربية أن تتحلل من مسؤولياتها إزائها، وإن تفاوتت هذه المسؤولية، ويبقى التساؤل المهم هل الفلسطينيون في حاجة لهذا التدخل؟ أن يكون للفلسطينيين دور في إدارة قضيتهم، وقرارهم, ورأيهم في كل ما يتعلق بمستقبل القضية فهذا لا ينكره عليهم أحد لكن في الوقت ذاته ينبغي أن يدركوا حقيقة تاريخية وجغرافية وقومية أن للعرب أيضا حق في المشاركة في إدارة القضية،
وهنا يتحتم ربط القضية بالإضافة الى ألأبعاد التي ذكرناها، ببعد آخر يتعلق بطبيعة الصراع ذاته، فهو في إطاره الواسع صراع عربي إسرائيلي ولا يمكن أن يكون إلا هكذا لأسباب تتعلق بالصراع ذاته وأحد أهم هذه الأبعاد والمعطيات التي تحكمه هو أنه صراع من النوع الذي لا يمكن حله في إطاره الفلسطيني لتداخل قضاياه المتعددة التي تخرج عن الرؤية الضيقة للصراع: الفلسطيني/الإسرائيلي، هذا الى جانب البعد الدولي الذي لا يمكن تجاهل دوره وتحمله المسؤولية المباشرة في نشوء القضية وإستمرارها, لهذه ألسباب وغيرها تبدو الحاجة الملحة للتدخل العربي لمساعدة الفلسطينيين للخروج من أزمتهم التى أوقعوا أنفسهم فيها لأسباب سياسية بعيدة عن قضيتهم, وأن يدركوا أن هذا التدخل تحتمه أولوية القضية الفلسطينية في السياسة العربية .
في هذا السياق على الفلسطينيين أن يدركوا أنه ليس من مصلحتهم أن يعزلوا أنفسهم عن عمقهم العربي, وان يبتعدوا عن كل أشكال سياسة المحاور العربية، وأن ينأوا بأنفسهم عن كل شكل من أشكال الخلافات العربية, ان يتمسكوا دائما بالإطار الواسع للشرعية العربية الذي يوفر لهم مخرجا واسعا لإدارة علاقات متوازنه عربيا، وأن يبتعدوا عن أخطاء الماضي عندما سلموا القضية الفلسطينية للخلافات العربية فخسروا الكثير وذلك عندما ربطوا سقف مواقفهم بمواقف عربية معينة.
وبالمقابل على العرب مسؤولية قومية إزاء القضية وشعبها بان يبعدوا القضية أن تكون ورقة مساومة لتحقيق مصالح عربية ضيقة ولو جاءت على حساب القضية. وعليهم أن يدركوا ايضا أنه لا إنفكاك عن مستحقات القضية لإرتباطها العضوي بألأمن القومي العربي وحتى بحالة الإستقرار الداخلي لتشابك قضاياها مع القضايا الداخلية، وحتى لإرتباط القضية وتسويتها بقضايا ألأجندة الدولية اليوم كقضايا ما يسمى بالإرهاب الدولي وقضايا الإصلاح الديموقراطي وما يتردد عن مشاريع الشرق ألأوسط الكبير وغيرها، والأهم من ذلك كله التحولات في بنية القوة الإقليمية وسعي دول كإيران لإمتلاك القدرات النووية, كل هذه الإعتبارات تجعل من التدخل العربي أمرا مطلوبا.
لكن السؤال كيف وبأي شكل ؟ إذن ماذا العمل ؟
على الدول العربية أن تبادر وبشكل جدي وبحكم علاقاتها الداخلية والمؤئرة مع الاطراف الفلسطينية المتنازعة ان تحتضن الحوار الفلسطيني وتساهم بشكل إيجابي في طرح تصورات وحلول إيجابية للخروج من حالة الإنسداد الذي وصل اليه الموقف الفلسطيني وعدم قدرتهم على إخراج أنفسهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من قتال وصراع . ولا شك أنه لآ يمكن إنكار التأثير الذي تمارسه دول معينة على القرار الفلسطيني بما قد يزيد الأمور تعقيدا،
ولا شك أن دولا عربية بعينها تملك تأثيرا مباشرا ومؤثرا في دفع الاطراف الفلسطينية لإتخاذ قرارات سياسية تعيد للقضية الفلسطينية توازنها في العلاقات العربية, وتضعها أمام مسؤولياتها الوطنية. وهنا لا يمكن التقليل من إيجابية الجهود التي تبذلها دول عربية وما تقدمه من مبادرات ولا ينبغي فلسطينيا صم الآذان عنها. ويمكن للجهود العربية ان تتبلور وتطور في شكل أوسع وأن تساهم الجامعة العربية بمبادرة عربية جماعية، ويمكن لعاصمة عربية كالقاهرة أو غيرها أن تحتضن الفلسطينيين في حوار هادئ وبمشاركة عربية فعالة , وفي هذا الصدد لا يمكن إنكار الدور الذي تقوم به مصر ومساعيها الدائمة لإحتواء الخلافات الفلسطينية وهو دور تفرضه كل إعتبارات القومية والوطنية.
وهنا اتذكر الطائف السعودية وكيف إحتضنت الفرقاء اللبنانيين ونجحت في الوصول الى صيغة إرتضاها اللبنانيون وأخرجتهم من مأزقهم, لماذا لا تتكرر هذه المبادرة وفي إطار عربي منسق ومتفق علية للخروج من ألمأزق الفلسطيني والوصول الى تصور عربي فلسطيني بدلا من التناحر والتنازع حول صيغ ومفاهيم قد تزيد الامور تعقيدا فلسطينيا وعربيا.
يمكن لهذه المبادرة العربية إذا ما توافرت لها مقومات النجاح أن تحقق أهدافها وأن تدعم الموقف العربي والفلسطيني في المرحلة السياسية الحالية التى تشهد تحولات كبيرة دوليا وستلقى بآثارها السلبية أو ألإيجابية على القضية الفلسطينية وهذا يتوقف على التوحد العربي والفلسطيني .