ها هو ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي يكرر الأمر ذاته مجدداً، فقد أعرب مؤخراً عن رأيه في أداء الحكومة العراقية بقوله: «إذا نظرتم إلى الموقف في إجماله، فإنكم ستجدون أنهم يحسنون صنعاً على نحو مميز». يأتي هذا من القائد الحكيم الذي أعلن منذ عام مضى أن المسلحين العراقيين «في النزع الأخير» من حركتهم. فياله من نزع أخير!
حدث هذا في الوقت الذي كانت جثث العراقيين الذين ذبحوا ذبحاً في العنف الطائفي تملأ المشرحات في بغداد وبلد وأعلنت وزارة الخارجية أنها ستستغني عن خدمات ثلاثة آلاف رجل من قوات الشرطة بسبب الفساد واتهامات أخرى. حدث هذا فيما لقي 73 أميركياً مصرعهم في العراق في الأيام الثمانية عشر الأولى من شهر أكتوبر، الأمر الذي يجعل هذا الشهر واحداً من أكثر الشهور دموية بالنسبة للجنود ورجال البحرية الأميركية في الحرب التي استمرت ثلاث سنوات ونصف السنة في العراق،
ويصل إجمالي عدد القتلى منهم إلى 2785 قتيلاً والجرحى إلى 22 ألف جريح. وتلزم الحكومة العراقية الصمت بينما تجوب الميليشيات ذات الصلة بمختلف أعضاء تلك الحكومة الشوارع مواصلة القتل على الهوية وفاتحة النار على الجنود الأميركيين الذين يحاولون استعادة النظام.
عندما زار رئيس الوزراء العراقي واشنطن، أعلن الرئيس بوش الذي كان أبعد ما يكون عن الضغط عليه أنه يسانده هو وحكومته بصورة شاملة، وأضاف أنه لا يعتزم خفض القوات الأميركية الموجودة في العراق. بل إن المتحدث العسكري الأميركي في بغداد سلم مؤخراً بأن الحكومة العراقية التي يؤيدها بوش، والتي يعتقد تشيني أنها «تحسن صنعاً على نحو مميز» لم تنجح في كبح جماح جرائم القتل الطائفية التي جعلت العاصمة العراقية مركزاً للذبح وليس للحكم.
وقد أبلغ جون ماكين، العضو الجمهوري بمجلس الشيوخ عن أريزونا جمهور مشاهدي التلفزيون بأن الولايات المتحدة ينبغي أن ترسل مئة ألف جندي أميركي إضافي إلى العراق، وينبغي أن تحشد تلك القوة عن طريق زيادة قوام جنود الجيش والبحرية بالعدد نفسه، أي مئة ألف رجل.
والأنباء الواردة من أفغانستان تدعو للتشاؤم بالقدر نفسه، فمقاتلو حركة طالبان يتحركون في الجنوب بعناصر تعادل قوام كتيبة في الجيش ضد الجيش الأفغاني الضعيف الذي لا يزيد قوامه عن ثلاثين ألف رجل فقط. ويحتمي مقاتلو طالبان والقاعدة بتلك الأجزاء من باكستان التي لا تسيطر عليها الحكومة المركزية. وقد تولى حلف الناتو قيادة العمليات في المناطق الحدودية، وهو يتوسل بالفعل لحكومات الدول الأعضاء فيه لإمداده بالتعزيزات.
كان رد الرئيس الأميركي على الإرهاب المنتشر كالأورام السرطانية هو التوقيع على قانون يقضي بإعادة تشكيل المحاكم العسكرية لمحاكمة المشتبه فيهم الذين اعتقلوا في إطار الحرب على الإرهاب على امتداد العالم وتعليق حق المثول أمام القاضي الطبيعي بالنسبة للمتهمين الذين يقدمون لمحاكم عسكرية في غوانتانامو، ويقضي كذلك بالسماح بما يعرف باسم «الأساليب البديلة» في التحقيق.
وبالخلط والدمج بين الحرب في العراق والحرب الشاملة على الإرهاب فإن بوش وتشيني ووزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد قد أطلقوا من خلال أخطائهم وإساءة التقدير من جانبهم حركة مسلحة تزداد تعاظماً ضد القوات والمصالح الأميركية. في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر 2001 أعلن بوش وجود «محور للشر»- مؤلف من العراق وإيران وكوريا الشمالية- مطلق السراح في العالم، وقال إنه يعتزم التصدي له.
وقد اختار أن يتصدى للعراق، الذي يعد العضو الأضعف والأقل تهديداً في هذا المحور، ثم قام بتوريط القوات الأميركية وسط حرب أهلية تهدد بزعزعة ذلك البلد وتمزيقه إرباً وإغراقه في الدم. وبعجز المؤسسة العسكرية الأميركية عن تدبر أمر ما يزيد عن لواءين أو ثلاثة ألوية،
أي أقل من عشرة آلاف رجل، للتصدي لأي قتال يندلع في أماكن أخرى، فإننا تتاح لنا خيارات محدودة للتعامل مع العضوين الآخرين في محور الشر، خاصة بعد قيام كوريا الشمالية باختبار قنبلة نووية والتهديد باختبار المزيد. إذا كان هذا كله يعد أخباراً طيبة بالنسبة لبوش وتشيني ورامسفيلد، فإنني أكره تبيين طبيعة تعريفهم للأخبار السيئة.
وفي مواجهة هذا كله بالإضافة إلى الفضائح الأخلاقية التي تنبعث رائحتها الكريهة من الكابيتول هيل فإن الناخب الأميركي يبدو أكثر من غاضب من الكونغرس الجمهوري الذي لم يقدم فيما يبدو شيئاً إلا ما قصد به فائدة أعضاء الكونغرس أو حزب الأغلبية فيه.
وإذا لم تعد هناك إلا فترة جد قصيرة على حلول يوم إجراء الانتخابات فإن استطلاعات الرأي تبدو سوداوية بالنسبة للجمهوريين ولإدارة بوش. وعلى الرغم من ذلك فإن كارل روف، رجل الحركة السياسية بالنسبة لبوش، ورئيسه قد أعلنا أنهما واثقان من أن الجمهوريين سوف يحتفظون بسيطرتهم على كل من مجلسي الكونغرس تماماً كثقة تشيني بأن الحكومة العراقية تحسن صنعاً بصورة مميزة.
وما لم تحدث مفاجأة في اللحظة الأخيرة، والوقت ينفد لهذا الاحتمال، فإننا يمكننا أن تتساءل فحسب أي نوع من السيجار المؤثر على الذهن ذلك الذي يدخنه القادة الأميركيون!؟.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص ل: «البيان»