ربما كان تنوير العالم العربي والإسلامي سيحصل من الخارج بقدر ما سيحصل من الداخل إن لم يكن أكثر فالمثقفون العرب المقيمون في الغرب يستطيعون المساهمة في تحريك عجلة التاريخ إلى الأمام بفضل الأوراق الكبيرة التي يمتلكونها. وأولها تواجدهم في بلاد ديمقراطية تؤمن حرية التفكير والبحث والنشر للجميع. وهذا ليس متوافراً للأسف في معظم بلادنا.

كما وتؤمن لهم الأجواء العلمية المناسبة والمكتبات الضخمة، وكل المراجع الضرورية للبحث العلمي والاكتشاف. وعلى هذا النحو ظهرت كوكبة من الباحثين العرب المستنيرين في فرنسا كيوسف الصديق، ورشيد بن زين، ومالك شبل، وفتحي بن سلامة، وعبدالوهاب المؤدب، الخ.. ومعظمهم إن لم يكن كلهم من أصل مغاربي إسلامي أو عربي. قلت مغاربي بالمعنى الواسع للكلمة: أي تونسي أو جزائري أو من المغرب الأقصى.

ويمكن القول بأن عبدالوهاب المؤدب ذا الأصل التونسي هو أحد هؤلاء إن لم يكن في طليعتهم وربما الأكثر جرأة واقتداراً بينهم ومعلوم أنه ولد في تونس عام 1946 وتربى تربية عربية إسلامية في الوقت الذي تلقى فيه الثقافة الفرنسية ولغة موليير، كما كان يحصل للعديد من أبناء العائلات التونسية آنذاك.

ثم قدم إلى فرنسا بعدئذ وأصبح شاعراً وكاتباً روائياً واستاذاً جامعياً يدرس الأدب المقارن في جامعة باريس. وفي الوقت نفسه يشرف هذا الكاتب الحساس المعجب جداً بالأدب العربي ـ كما الأدب الفرنسي على برنامج إذاعي أسبوعي يدعى «ثقافات الإسلام» وذلك في محطة إذاعية فرنسية تدعى: فرنسا الثقافية.

وقد أصدر عبدالوهاب المؤدب مؤخراً عدة كتب عن قضايا العالم العربي ومشكلة الأصولية كان من أهمها كتابة عن «مرض العالم الإسلامي» هذا بالإضافة إلى عشرات المقالات والمقابلات في الصحف الفرنسية والعربية والعالمية. ويرى هذا المفكر أن العالم الإسلامي يعاني حالياً من مرض عضال. وأكبر دليل على ذلك انتشار الحركات المتطرفة فيه بشكل مقلق ويدعو للدهشة والاستغراب للوهلة الأولى.

ولكن إذا ما نظرنا إلى الأمور عن كثب فإن هذه الدهشة تزول لأن هناك عوامل موضوعية لانتشار حركات التطرف والتزمت والإكراه في الدين. وأول هذه العوامل هو أن أي نظام فكري لاهوتي سوف يصاب بمرور الزمن بالانغلاق على ذاته والتحجر والتكلس والجمود. وهذا ما حصل للمسيحية في الغرب أيضاً. وثانيها هو استمرارية الانسداد السياسي في العالم العربي.

وبالتالي فلم يبق من مجال للتعبير عن الذات إلا من خلال الجامع، وثالثها هو فشل معظم الحكومات في حل المشاكل الاقتصادية للسكان، الشيء الذي أدى إلى انتشار البطالة بنسبة مخيفة في أوساط الشبيبة العربية والإسلامية. ورابعها هو الضغط الغربي على فلسطين والعراق. وخامسها هو الضغط الديمغرافي أو السكاني المتزايد.. الخ.

ولكن المفكر التونسي يركز على العوامل الذاتية الداخلية ويقول بما معناه: إذا كان المسيحيون الأوروبيون في حالة أفضل من حالتنا فإن ذلك عائد إلى انخراطهم في عملية نقد راديكالية لتراثهم المتراكم على مدار العصور، فبعد العصور الوسطى شرع فلاسفة أوروبا في عملية نقد وغربلة واسعة لتراثهم الديني،

وهذا ما لم يحصل في الإسلام حتى الآن، فلا أحد يجرؤ في العالم الإسلامي على دراسة الدين دراسة نقدية تاريخية فلسفية، كما حصل في أوروبا على مدار القرون الثلاثة أو الأربعة الماضية، ولو لم يظهر مفكرون كبار في الغرب من أمثال ايراسموس وفولتير وكيرينكارد وشوبنهاور ونيتشه وعشرات غيرهم لظلت الأصولية المسيحية المتعصبة هي السائدة والمسيطرة.

وبالتالي فالمفكرون العقلانيون الذين اشتبكوا مع رجال الكهنوت والأصوليين المسيحيين في معارك ضارية هم الذين أدوا إلى حلحلة الموقف وفتح الانسداد التاريخي وتشكيل تيار ليبرالي وعقلاني مستنير داخل المسيحية، وهو التيار الذي أدى بمرور الزمن إلى القضاء على التيار الأصولي أو تقليص قاعدته الشعبية إلى حد كبير، كما أدى إلى مصالحة المسيحية مع الحداثة والعقل بعد طول خصام وعراك.

أما في الإسلام فلم تحصل هذه الحركة الفكرية التحريرية حتى الآن، وقل انها لا تزال في بداياتها. وبالتالي فالتنوير الذي حصل في أوروبا لا نزال ننتظر أن يحصل مثيله في العالم العربي، وهو الذي سيؤدي إلى دحر حركات التزمت والغلو المضادة بطبيعتها لجوهر الدين الإسلامي الذي يقول: لا إكراه في الدين.

وفيما يخص التفجيرات الانتحارية يرى عبدالوهاب المؤدب انها غريبة جداً على التراث الإسلامي، فهو لم يعرفها أبداً في تاريخه. صحيح أنه حصلت عمليات اغتيال بالسلاح الأبيض لبعض رجال السلطة من قبل طائفة الحشاشين في فترة من الفترات. ولكنها لم تكن تؤدي إلى سقوط مدنيين عديدين كما يحصل الآن من جراء العمليات الانتحارية، ولم تكن تستهدفهم أصلاً.

وبالتالي فهذه الأخيرة خارجة على التراث الإسلامي، ولا يمكن تشبيهها إلا بالحركة الفوضوية أو العديمة الروسية إبان القرن التاسع عشر، وهي الحركة التي صورها دوستويفسكي بكل براعة في روايته: «الممسوسون» فالانتحاري هو شخص ممسوس أو مسكون من الداخل، ولذلك فإنه يستطيع أن يغامر بنفسه ويقتل العشرات في الباصات أو المخازن العامة أو المقاهي من دون أن يردعه ضميره عن ذلك، والواقع أن ضميره الشخصي تعطّل بسبب المسّ الذي أصابه أو التعبئة الأيديولوجية أو اللاهوتية التي تعرض لها،

وهكذا يذهب للتضحية بنفسه من دون أي تردد، لأنه لم يعد في الحالة الطبيعية للإحساس والشعور. يضاف إلى ذلك أن الانتحار ممنوع منعاً قاطعاً في الإسلام، فهو مدان بصريح النص في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وبالتالي فهناك جهل كبير بمبادئ الإسلام في أوساط الجماهير العربية، وهو الذي يدفعها إلى تأييد العمليات الانتحارية كعملية 11 سبتمبر أو تفجيرات مدريد ولندن وسواها من دون أن تدرك بأنها تخرج على الإسلام أن تفعل ذلك،

وهذا أكبر دليل على أن العقليات عندنا أصبحت بحاجة إلى التنوير الفكري والتربية الصحيحة والتعليم الرشيد، فالجهل من أصل كل الشرور والمفاسد، ومادام عاماً طاغياً بل وتغذيه المدارس والجامعات وخطب الجمعة الحامية وبرامج التعليم المتخلفة، فلا حل ولا خلاص. وقد آن الأوان لأن يكنس العالم الإسلامي أمام بيته قبل أن يتهم الآخرين.

كاتب سوري

باريس