لاشك أن الاستجابة المفرطة التي تتميز بها المنطقة العربية تجاه ما تمليه أجندة الغرب الاستراتيجية من قضايا وإشكاليات، ترتبط بظاهرة عجز الشعوب وفقدانها لروح الفعل الجماعي من ناحية وبقوة الأنظمة السياسية واستئسادها في مواجهة محكوميها في كل قطر مع ضعفها وخضوعها لمشيئة القوى الأجنبية ، فهذه المعادلة جعلت من الاستجابة الطيعة لمشيئة هذه القوى ظاهرة تكاد تنفرد بها المنطقة بين بقاع العالم الأخرى،

ولذا فإن الغرب لا يجد الصعوبة التي يواجهها في أجزاء أخرى من العالم عندما يحاول استثمار التمايزات والتعدديات داخل تلك المجتمعات كمتغيرات تابعة لاستراتيجيته، حيث يستطيع في المنطقة العربية أن يختار لون وطبيعة أي صراع بالكيفية التي يراها تتساوق مع نسق مصالحه ولا تخرج عن سيطرته وبالتالي فقد ترتب على ذلك عدة نتائج منها:

أولاً ـ أن أي اختلاف سياسياً أيديولوجياً كان أم دينياً مذهبياً لابد أن يتحول إلى نوع من الصراع العبثي الذي يتخذ شكل نزيف ينال من قوة جميع الأطراف المشاركة بحيث لا يستسلم احد ولا ينتصر آخر ، فالمهم أن تستمر الطاحونة في الدوران إلى أن يغير الغرب اتجاه الرياح التي تحركها عندما يرى انه لم تعد ثمة حاجة للمياه التي تدفع بها في قناة مصالحه.

ثانياً - إذا حقق احد أطراف الصراع أية نتيجة مهما كانت متواضعة تشكل استفزازاً أو إزعاجاً لمصالح الغرب ، فإن الطرف الآخر في الصراع لابد أن يعتبرها خسارة له هو أيضاً حسب منطق الصراع العبثي المفروض على جميع الفرقاء ، ولهذا فإن التحالف مع استراتيجية الغرب يصبح بالنسبة لهذا الطرف أمراً بديهياً تقتضيه أبجديات قانون الصراع المنفلت من أية مرجعية عليا والمحتكم فقط إلى عقلانية العصبة القابضة على زمام السلطة المدفوعة بغريزة الاستمرارية والبقاء الذي ترى فيه حقاً مكتسباً ومقدساً لا يمكن التفريط فيه وان كان ثمنه الخراب ونعيق البوم.

لعل ما جرى أبان وبعد الحرب الإسرائيلية على لبنان من تجاذبات واستنفار وحشد علني لم يخف تماهيه مع النظرة الإسرائيلية الأميركية ونقده الشديد وتبخيسه لما حققته المقاومة اللبنانية كيف ما كان حجمه ، لعل ذلك لدليل شاهد على مأزق الاستجابة المفرطة والصراع المفروض من الغرب وقوة الأنظمة في مواجهة عجز محكوميها ،

فقد صورت بعض الأنظمة العربية ما حققته المقاومة اللبنانية بمثابة انتصار لقوة شيعية مثلما اقتضت مصالح الغرب تصنيفها وتعميدها رسمياً، فلم يكن التصنيف لهذا الصراع المصطنع يعكس رأياً عاماً يعبر عن مشاعر ومخاوف الكتل الاجتماعية العريضة سنية كانت أم شيعية ،

بل كان استجابة لما أملته أجندة الغرب في هذه المرحلة على أنظمة تعاني من علاقة مأزومة بينها وبين محكوميها فوجدت في تبني المشروع الغربي والاصطفاف تحت رايته المذهبية مخرجاً قد يحقق لها نتائج بالغة الحيوية لاستمراريتها وبقائها ولعل أهم هذه النتائج هي.

1- خلط الأوراق المذهبية مع ظاهرة تيارات الإسلام السياسي التي يعتبرها الغرب اكبر عدو له في القرن الحادي والعشرين ، وترى فيه هذه الأنظمة مصدراً يهدد بقاءها باعتباره يمثل حركات الاحتجاج والقلاقل ويتجرأ على مبادلة عنفها بعنف مضاد لم تعهده البيئة السياسية العربية منذ أن تم تقسيمها إلى دول حسب مقاييس مصالح الغرب ،ولهذا فإن هذا الخلط يراد منه في حالة نجاحه تفجير الظاهرة من داخلها وتشظيتها مذهبياً على مستوى قواعدها الشعبية ،

لأن ذلك يجعل هذه القواعد ، التي تنشط داخلها هذه التيارات ، تتحول إلى كتل مذهبية مغلقة تطرح تساؤلات حول مخاوفها ومصالحها الطائفية والمذهبية في مواجهة الناشطين من هذه التيارات، بل تطلب منهم تحديد مواقفهم من أتباع المذاهب الأخرى، وهذه هي البوابة الذهبية التي تفضي إلى تشرذم أي تيار يحمل أيديولوجيا أممية.

2- خلق بيئة تسودها أجواء المحاور والتحالفات لأن ذلك ما تتطلبه أجندة الغرب العسكرية والسياسية في هذه المرحلة، حيث يعد ويهيئ الظروف لكي يقوم ـ إذا اقتضت مصالحه ذلك - بشن حرب على دول يعتبرها مارقة في المنطقة كإيران وسوريا ، فالغرب درج على حشد وتجنيد اكبر عدد ممكن من الأنظمة لتقدم له أراضيها ومياهها وأجواءها ولتصطف تحت رايات حربه التي يشنها على أية دولة في المنطقة سنية كانت أو شيعية،

هذا إلى جانب أن الاستقطاب المذهبي الذي تحاول بعض الأنظمة مجاراة الغرب في تغذية طاحونته ودق الطبول له، قد تجد هي أيضاً فيه مخرجاً ولو مؤقتاً من أزماتها المتعددة وتعويضاً عن شرعية مفتقدة حيث تستطيع أن تصوغ خطاباً وتجند مثقفين من سوق الارتزاق العربي وترفع رايات التصدي عالية لتظهر بمظهر المدافع عن معتقدات مواطنيها في مواجهة تغول المذاهب الأخرى.

لاشك أن اللعب بنار المذهبية يعد عملاً خطيراً من الناحية السياسية وشريراً في بعده الإنساني بالنسبة لأي عاقل، غير أن المنطقة العربية تعاني من الإفراط في استجابتها لمشيئة القوى الأجنبية ومن عجز شبه مطلق لدى شعوبها. كل هذا قد يدفع الكثير من الأنظمة إلى أن تهرع إلى أية راية يرفعها الغرب وان ترتدي أية جبة بما فيها المذهبية علها تصلح لباساً قد يستر عوراتها الوطنية.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي