مازالت الدراما الخليجية المعاصرة أسيرة الرؤى الضيقة التي تلف وتدور في إطار القصور والفلل الفاخرة، وعلاقات الحب القائمة بين الرجل والمرأة. ذلك الرجل الأنيق المحمول في سيارته الفارهة، وتلك المرأة المقموعة خلف مساحات التجميل الثقيلة التي تحيل وجهها إلى مرتع لكافة الألوان المتعارضة المتناقضة والمنتقصة من جمالها الطبيعي الذي حباها به الله.

ولا تقف المسألة عند مستوى الشكل والإخراج، بل تتعداها إلى مستوى القضايا الحياتية التي تتناولها هذا النوعية من الدراما المعاصرة، حيث يبرز، على سبيل المثال لا الحصر، التفكك الأسري كما لو كان هو القضية السائدة في معظم الأسر الخليجية المعاصرة، فالأب في واد، والأم في واد آخر، والأبناء كل يغني على ليلاه.

وهي صورة نمطية لا تعكس في جوهرها حقيقة الواقع الخليجي، الذي يجمع بين الصالح والطالح، بين الأسر الجيدة المتماسكة، وبين الأسر المفككة التي تأثرت بوطأة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها المجتمعات الخليجية منذ ما يزيد على العقود الثلاثة وحتى الآن.

ورغم هذه التحولات الهائلة التي تمر بها المجتمعات الخليجية فلم تحاول الأعمال الدرامية الاشتباك معها وتناولها. ويرجع ذلك لعدة أسباب منها عدم تبلور تصور حقيقي وجاد لدور الدراما في المجتمعات الخليجية من جانب المشتغلين بها والقائمين عليها. فمازالت هذه الدراما تركز على أزياء الممثلات وجمالهن وأثاث القصور والفنادق الفاخرة أكثر من القضايا الحقيقية التي تواجهها المجتمعات الخليجية.

وهى صورة لا تمت بصلة حقيقية لواقع المرأة الخليجية من جانب، ومستوى معيشة الكثير من الخليجيين من جانب آخر.

إضافة إلى ذلك فلم يتبلور تصور جماهيري خليجي حقيقي يحتفي بالدراما الخليجية ويؤمن بها، قدر انجرافه إلى الدراما المصرية أو الشامية التي لا ترتبط بأي حال من الأحوال بواقع المجتمعات الخليجية وبقضاياه المختلفة.

ولعل ذلك يرتبط بما سبق حيث لا يجد الخليجي ما يعبر عنه دراميا، ويصور واقعه المعيش، لذلك ينجذب إلى أشكال الدراما العربية الأخرى، التي تزجي وقته، بدون أن تضيف إلى وعيه ورصيده المعرفي أي جديد. وأخيرا يمكن القول بأن الدراما ذاتها تحتاج لبنية متسامحة سياسيا وفكريا وشعبيا وهو الأمر الذي مازالت تكافح الدراما الخليجية حتى الآن في تلمسه والحصول عليه.

وإذا كانت المناخات السياسية والفكرية الخليجية تشهد قدرا ما من الانفتاح والتغيير والتسامح، فإنه يجب على الدراما الخليجية أن تستفيد من هذا القدر من الانفتاح والتفاعل معه والاشتباك معه فنيا وابداعيا، حيث لا يجب أن يتأخر الفن والإبداع عن السياسي والفكري والمجتمعي المعيش.

إن الفن ليس في النهاية سياسة ولا اقتصاد ولا اجتماع ولا دين ولا أخلاق ولا قيم وإن كان يتشكل في النهاية من نسيج كل هذه التقاطعات، حيث يشتمل على الحقيقي الواقعي المعيش وعلى الخيالي المجازي المأمول. في هذا السياق، وهذه التقاطعات، جاء المسلسل الكويتي الخليجي «الفرية» ليضعنا أمام دراما خليجية بامتياز.

وهي دراما خليجية، رغم بعض صعوبات اللهجات المحلية، محلاة بعبق عربي، بدون زعيق أو أيديولوجيات فجة. ورغم أنني من المؤمنين تماماً بالدور الكبير الذي لعبه ومازال يلعبه النفط في المجتمعات الخليجية المعاصرة، فإنني أتذكر هنا كلمة المفكر الكويتي «محمد الرميحي» بأن الخليج ليس نفطاً فقط.

وذلك في ضوء مشاهدة هذا المسلسل الرائع، الذي حاول أن يقدم لنا بنية العلاقات الاجتماعية في المجتمع الكويتي في الماضي، مبينا وكاشفا عن بنية العلاقات الإنسانية حيث الحب والكراهية، الفقر والغنى، الخير والشر، الجمال والقبح، العطاء والبخل، التماسك والتفكك، في معزوفة انسانية طبيعية لا تتغير تجميل النساء ولا تجميل الواقع ولا المزايدة عليه.

هكذا جاءت «الفرية» قطعة دينامية من تاريخ العلاقات الانسانية في أحد المجتمعات الخليجية، والتي لا أشك أنها تختلف عن غيرها من المجتمعات الخليجية الأخرى. وهنا تأتي جماليات العمل الفني الذي يشكل لنا الواقع ممزوجا بالأحاسيس والمشاعر والأطر الإنسانية، التي قد لا نجدها في الكثير من كتب التاريخ التي تحاول أن ترصد تاريخ الشعوب وتحولاتها المختلفة.

«فالفرية» تقدم لنا فنا متضافرا بالتاريخ وتحولاته، بدون أن يتحول الفني إلى وعاء نملأه بالتاريخ، وبدون أن يتحول التاريخ إلى مجرد إطار خال من المعنى للفن. ترتكز «الفرية» على حبكة عادية جدا، بسيطة وعميقة، تربط بين منزلين بسيطين، تقع بينهما تلك الفرية، أى الفتحة التي ينتقل منها الجار إلى جاره بديلا عن الالتفاف خارج البيت والدخول عبر الأبواب.

والفرية هنا هي الفتحة الحقيقية والمجازية في الوقت نفسه. فمن ناحية يمثل انفتاحها تواصل العلاقات بين البشر وتفاعلهم وتدعيم أواصر الحب والود فيما بينهم، ومن ناحية أخرى يمثل غلقها بدايات التوتر الناشئ في العلاقات بين المنزلين. وهو ما يؤرخ لمرحلة جديدة من توتر العلاقات الجديدة في المجتمعات الخليجية المعاصرة.

العلاقات بين العائلتين علاقات تاريخية يملؤها الحب والود، إلى أن يقوم الزوج بالزواج من بنت جاره الصغيره التي تربت وترعرعت على يديه مثل ابنه. بعدها يبدأ خط التوتر الحقيقي حيث التفكك في العلاقات بعد إصرار الزوجة الرمز على الطلاق والانفصال، ساعتها يكتشف الزوج أنه لم يفقد زوجته فقط بقدر ما افتقد ذلك العالم الذي تشكل من الحب والود، ذلك العالم المرتكز على «الفرية» بوصفها فعلاً ومجاز التواصل بين البشر.

وبقدر ما كانت هذه الحبكة البسيطة العميقة هي محور العمل الدرامي، نقطة بدايته ونقط نهايته، فإن العمل منحنا قدرا كبيرا من قراءة التاريخ والتحولات المرتبطة به. حركة النساء وأنشطتهم المختلفة وتواصلهم فيما بينهم والأزياء الخاصة بهم والعلاقات المختلفة الناشئة بينهم وبين الرجال، الأنشطة التجارية المختلفة وكيفية تطورها، شكل الزواج والقيم المرتبطة به، شكل الفريج والمنازل وطبيعة المسكن والأثاث في تلك المرحلة الماضية من عمر دولة الكويت.

لم تقدم «الفرية» أية محاولات تجميلية للماضي وشبكة العلاقات المرتبطة به. فقد قدمت البشر بخيرهم وشرهم، لذلك لم نشاهد الخليج متعاليا نمطيا مؤطراً في صورة درامية مسبقة ومسقطة، قدر ما شاهدناه بشرا يتحركون ويتصارعون، بعضهم يستهدي بالخير في تعاملاته بينما يستهدي البعض الآخر بالشر.

وأهم من ذلك كله، قدمت «الفرية» المكان على طبيعته، فلم نشاهد تزيدا وتلميعا ورغبة في تأريخ ما يرفضه العقل والواقع والحقيقة. حيث ظهرت النساء كما هن بدون تجميل وبدون إضافات، وظهرت المساكن متواضعة بسيطة، وجاءت العلاقات متضافرة بما هو إنساني حقيقي غير متجمل وغير مفروض.

لذلك جاء العمل ممتعا محمولا عبر إعادة تشكيله ابداعيا وتاريخيا واجتماعيا في آن. وإذا كانت «الفرية» ترصد الماضي وتحولاته، فإنها لا تتقيد به، لكنها تحملنا إلى الحاضر واستحقاقاته، وإلى المستقبل وتوقعاته. فالفرية هى الرمز الذي ترتكز عليه حبكة العمل، والتي تؤكد من خلاله على أن مستقبل الخليج برمته رهن بانفتاح العلاقات الإنسانية بين البشر،

فبدون هذا الانفتاح الذي أغلقته بعض التحولات الجديدة لن يستطيع الخليج أن يتطور تطورا حقيقيا، حتى في ظل الكثير من مظاهر التطورات المادية المختلفة. تمنحنا «الفرية» نموذجا جادا لدراما خليجية حقيقية، تنطلق من رؤية مسبقة لأهمية الدراما وتأثيرها في إعادة صياغة العقلية الخليجية، وإعادة تشييد الوعي الخاص بها.

وهى دراما تؤكد أن الأعمال الإبداعية تلفزيونية وسينمائية ليست رهن بتوفر المال، رغم أهميته، لكنها رهن بالرؤية وبالمصداقية التي يبتغيها الفنان الحقيقي الذي يرغب في انتاج أعمال حقيقية من أجل مجتمعه ومن أجل البشر الذي يعبر عنهم، وينتظرون مشاهدته. وفي هذا الإطار يجب توجيه التحية والتقدير لأيقونة الخليج، صاحبة الوجه «الفرية» المنفتح على الماضي والحاضر والمستقبل «حياة الفهد» وفريق العمل الذي صاحبها في انتاج هذا العمل الجميل والممتع.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com