من مفارقات القرن الحادي والعشرين الكيل بمكيالين ومعالجة قضايا عديدة وتحليلها والنظر فيها بأسلوب عارٍ من المنطق والموضوعية والمنهجية العلمية. القوى الفاعلة في النظام الدولي تحّرم ما يحلو لها وتبيح ما يخدم مصالحها، وتحدد معايير ومقاييس وتفصلها حسب أهوائها ومزاجها. وفي أحيان عدة تتميز مثل هذه التصرفات بتناقضات ومفارقات عجيبة.
البرلمان الفرنسي قبل أيام اقترح قانون تجريم كل من يشكك في جرائم الأرمن التي ارتكبتها تركيا ما بين 1915 و1917 حيث سيعاقب من يشكك في تلك الجرائم بالسجن لمدة سنة وغرامة مالية تقدر بـ 45 ألف يورو. إلى هنا والأمر يبدو منطقياً وعادياً، ولكن الأمر الذي يثير التعجب والدهشة هو أين هو البرلمان الفرنسي من المجازر التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر لما يزيد على 130 سنة، وأين هي أعمال العنف والتنكيل والتعذيب في العديد من المستعمرات الفرنسية في إفريقيا والهند الصينية.
للتذكير فقط، قتلت فرنسا في مظاهرات 8 مايو 1945، 45.000 جزائري في مدينة سطيف وقالمة وخراطة والسبب كان أن المتظاهرين خرجوا للمطالبة باستقلال الجزائر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كما وعدتهم فرنسا بذلك مقابل مشاركتهم في صفوف الجيش الفرنسي. فرنسا وحتى الساعة لم تعترف بجرائمها في الجزائر وبقتل مليون ونصف مليون جزائري من أصل 10 ملايين، بل أكثر من ذلك فرنسا تحاول أن تمجد ماضيها الاستعماري وتتغنى بما تزعم أنها حققته من تمدن وتحضر وتقدم لمستعمراتها.
المفارقة هنا أن الاستعمار الفرنسي ـ عند الفرنسيين ـ فعل حضاري يجب أن يمجدوا مجازر الجزائر أصبحت محاسن بينما مجازر الأرمن يجب الاعتراف بها من قبل تركيا ويجب معاقبة كل من يشكك فيها أو يكذب بأرقامها. في هذا المقام نحن لا ننكر ما قامت به تركيا من تنكيل وتعذيب للأرمن، وتركيا نفسها يجب أن تصالح التاريخ وتعترف بما فعلته. لكن المفارقة هو أن دولة بحجم فرنسا أصبحت تتفنن في إصدار قوانين معاقبة من يناقش الهولوكوست ومجازر الأرمن ومتناسية ماضيها الاستعماري الذي يفوق بكثير ما فعله هتلر وتركيا.
المفكر والفيلسوف الفرنسي رجاء غارودي ألف قبل سنوات كتاباً بعنوان«الأساطير المؤسسة لإسرائيل»حلل من خلاله بالأدلة والبراهين والدراسة والبحث العلمي التناقضات التي تتميز بها دولة إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية. ومن بين المواضيع التي تطرق إليها الكتاب موضوع عدد ضحايا المحرقة «الهولوكوست» حيث أثبت غارودي بالأدلة المغالطات العديدة التي تحتويها قضية الهولوكست واستغلالها لتبرير إرهاب الدولة الذي يمارسه الكيان الصهيوني يومياً في الأراضي الفلسطينية.، كما تطرق غارودي إلى اليهود الذين تعاملوا وساعدوا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية.
من خلال كتابه استطاع غارودي وبكل شجاعة وجرأة أن يعري الأساطير الكاذبة والمغرضة التي استعملها الصهاينة لبناء دولة من العدم، وهذا في حقيقة الأمر الشيء الذي أزعج الصهاينة وجعلهم من خلال قوانين»معاداة السامية» وقانون «فابيوس-جيسو» القضاء فكرياً ومعنوياً ونفسياً على روجيه غارودي وكل من يقف في طريقهم الاستعماري الاستغلالي الاستبدادي.
نشط اللوبي الصهيوني في الأوساط السياسية والبرلمانية الفرنسية واستغل نفوذه وقوته سواء في البرلمان أو في حكومة لوران فابيوس لتمرير قانون يعاقب بالسجن لمدة سنة وغرامة تقدر ب50 ألف دولار كل من يشكك في الهولوكوست والمآسي التي تعرض لها اليهود في المعسكرات النازية، صدر قانون «فابيوس- جيسو» للتستر وإخفاء ودفن الأكاذيب وأساطير الصهيونية وجاء لحماية الخرافات اليهودية ولمنحها حصانة فكرية ومعنوية وأدبية، لم تنعم بها من قبل أي حركة سياسية أو أيديولوجية وفي أي ديانة.
وهنا نلاحظ تناقضات القرن الحادي والعشرين حيث من حق سلمان رشدي وتسليمة نسرين قذف وشتم وتشويه الإسلام من دون محاكمة وحتى من دون مواجهة فكرية، بل من حق هؤلاء التمجيد والتبجيل والجوائز والاستقبالات الرسمية وغير ذلك. أما بالنسبة لروجيه غارودي المفكر المعروف والمعتدل في آرائه وأطروحاته وكتاباته فجزاؤه المحاكمة والإرهاب الفكري والنفسي والمعنوي، وكل ما قاله غارودي في كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل» هو حقائق مدعمة ببراهين وحجج وبيانات وباعتراف عدد كبير من اليهود أنفسهم.
وهكذا جاء قانون «فابيوس- جيسو» في بلد زولا وفولتير وجان جاك روسو كأول قانون يحمي الخرافات والأكاذيب الصهيونية ضارباً عرض الحائط حرية الفكر وحرية التعبير وحرية الصحافة وحرية الاختلاف في الرأي، والقانون جاء ليدافع عن اليهود واليهود وحدهم ضارباً عرض الحائط مبادئ العدالة والمساواة بين الأجناس والأعراق والديانات والأيديولوجيات، فقانون«فابيوس-جيسو» كما وصفه المحامي الشهير«جاك فرجيس»هو قانون فاشي وعنصري ووصمة عار على جبين القضاء الفرنسي.
وفي نفس السياق و قبل سنة أصدر البرلمان الفرنسي قانوناً سمي بقانون العار. القانون مجّد الأعمال الشنيعة التي قام بها الاستعمار الفرنسي في مستعمراته المختلفة عبر العالم. القانون أثار الكثير من الجدل والاستياء وأسال الكثير من الحبر على مستوى الرأي العام الفرنسي والمستوى الدولي نظراً لما يحتويه من تضليل للحقائق وتشويه وتحريف للتاريخ وبسبب إهانته لذاكرة الشعوب وتاريخها.
القانون رقم 158-2005 لـ 23 فبراير 2005 المتعلق بعرفان الأمة وبالمساهمة الوطنية لفائدة الفرنسيين المرحلين أهمل وأغفل جملة وتفصيلاً الطرف الآخر، أو بالأحرى الوجه الأسود للاستعمار الفرنسي والممارسات اللاإنسانية والجرائم والنهب والسرقة والتنكيل والتعذيب والتجهيل وطمس الهوية ومحو الشخصية والتاريخ والدين.
ففرنسا الرسمية مع الأسف الشديد لم تملك الشجاعة الكافية للاعتذار للشعب الجزائري والاعتراف بجرائم الإبادة التي ارتكبتها في مستعمراتها السابقة، بل على العكس من ذلك صادق البرلمان الفرنسي بغرفتيه وتبنى قانوناً يمجد الدور «الحضاري» و«الإيجابي» للاستعمار الفرنسي في الجزائر وفي باقي المستعمرات الفرنسية عبر العالم.
كما نص القانون على إدخال مقررات وبرامج دراسية جديدة تبرز الإيجابيات الحضارية للحقبة الاستعمارية. وليس من قبيل الصدف أيضاً أن تقرر السلطات الفرنسية إقامة نصب تذكاري بمقبرة «مارينيان» بجنوب فرنسا تخليداً وتمجيداً لأعضاء سابقين في منظمة الجيش السري التي اغتالت وقتلت عشرات الآلاف من الجزائريين.
يبدو أن كل ما فعلته تركيا لإرضاء الاتحاد الأوروبي لم يكن كافياً للاستجابة لمعايير وشروط الاتحاد الأوروبي. في الحقيقة وضع تركيا يختلف عن باقي الدول التي انضمت أو التي هي في طريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لعدة اعتبارات.تركيا بلد مسلم وبها 70 مليون نسمة ولها ماضٍ حافل بالصراعات الداخلية بين العسكر والسياسيين وكذلك بين الحكومة المركزية في أنقرة والأكراد. عانت تركيا كذلك طويلاً من مشاكل اقتصادية هامة ومن تضخم كبير.
لكن في السنتين الأخيرتين قامت تركيا بإصلاحات على المستوى الاقتصادي والسياسي وبذلت مجهودات جبارة في المجال القانوني والديني ومجال حقوق الإنسان والأقليات للاستجابة للمعايير والشروط التي وضعها أصحاب القرار والنفوذ في الاتحاد الأوروبي. لقد حققت تركيا في فترة قصيرة إنجازات كبيرة حيث حوّلت تضخماً نسبته 45% إلى نمو مقداره 5 ,13%، كما استطاعت أن تبعد العسكر من دواليب السياسة وعملية صناعة القرار السياسي،
واستطاعت أن تصلح النظام القضائي، كما منحت الأكراد حق البث التلفزيوني وحق التعبير مثلهم مثل باقي سكان تركيا، وكذلك تعليم اللغة الكردية في مدارسهم. من جهة أخرى قامت السلطات التركية بإعادة صياغة قانون العقوبات وفق المعايير الأوروبية فألغت عقوبة الإعدام وحُرم التعذيب وأُلغيت المواد التي كانت تمنع انتقاد الدولة.
إن مشروع القانون حول إبادة الأرمن من قبل تركيا في سنوات 1915-1917 يشير إلى قراءات عديدة من أهمها أن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ليس سهل المنال ومحفوفاً بحواجز عديدة وأن أوروبا غير جاهزة لاستقبال بلد مسلم يضم 70 مليون نسمة. من جهة أخرى نلاحظ أن مشروع القانون الأخير في الجمعية الوطنية الفرنسية ما هو إلا تكملة لسلسلة من القوانين والإجراءات التي وضعتها القوى الكبرى في العالم مثل قانون «معاداة السامية» و«قانون فابيوس-جيسو» وغيرها كثير.
هذه القوانين تتميز بالعنصرية والكيل بمكيالين، فكيف نمجد الاستعمار من جهة؟ ومن جهة أخرى نجرّم ونعاقب ونسجن من يناقش وينتقد قضايا مثل الهولوكست وإبادة الأرمن ونتغاضى عن 20 مليون روسي ماتوا في الحرب العالمية الثانية. وكيف ننسى جرائم الاستعمار في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية ونركز على بعض الأقليات وبعض الشعوب دون سواها؟
أم هل هناك شعوب أرقى وأسمى من غيرها وأخرى لا تعني شيء وأنها مجرد أرقام؟ فالأجدر ببلد مثل فرنسا أن تراجع تاريخها وتعترف بالمجازر التي ارتكبتها في مستعمراتها، وخاصة الجزائر، قبل أن تفكر في إصدار قوانين تعاقب من يشكك في إبادة الأرمن وفي الهولوكست.
كلية الاتصال - جامعة الشارقة