فور تسلمه مهام منصبه كأمين عام للأمم المتحدة خلال ثمانينات القرن الماضي أعلن كورت فالدهايم أن من بين أولوياته القضاء على الفساد المستشري في دواوين الأمانة العامة التي يترأسها وخاصة بين كبار موظفيها.فساد الذمم المالية الذي اشتهر به كبار موظفي الأمم المتحدة كان في حد ذاته قبيحاً ومشيناً بما يكفي، لكن الوجه السياسي للفساد كان ولا يزال أخطر فهو يتمثل في أن يبيع مسؤول دولي نفسه لقوة عظمى ليخدم أجندتها السياسية من خلال تنفيذ مهام منصبه.

وسواء ثبت أو لم يثبت بأدلة قانونية ان ممثل الأمم المتحدة لدى السودان إيان برونك عميل نشط للولايات المتحدة، فإن من الثابت تماماً أنه كان من خلال تصريف أعماله الرسمية ملتزماً بالأهداف والأجندة الأميركية بشأن السودان.الحيدة التامة والنزاهة المتشددة هما الشرطان الأساسيان اللذان ينبغي أن يستوفيهما أي موظف دولي يعمل في الأمم المتحدة، ويضاف إلى هذين الشرطين أن يراعي الموظف الدولي عدم التدخل في الشؤون الداخلية إذا كان ممثلاً للمنظمة في دولة عضو بما يمس السيادة الوطنية للدولة المضيفة.

إيان برونك لم يكن يستوفي أياً من هذه الشروط المنصوص عليها بوضوح في لائحة الخدمة الدبلوماسية الدولية، فقد كان برونك جاسوساً عميلاً أكثر منه دبلوماسياً محترماً. لقد تسلْم برونك مهام منصبه في الخرطوم بعد أن دخلت الأمم المتحدة على خط أزمة دارفور على افتراض أنها طرف ثالث يتولى دور الوساطة بين حكومة السودان ومجموعة المنظمات الدارفورية المسلحة. لكنه منذ الوهلة الأولى كان يتصرف كحليف لطرف ضد الطرف الآخر.

ولهذه الغاية أنشأ امبراطورية بيروقراطية في الخرطوم وأخذ يطلع وينزل داخل البلاد كرئيس لهذه الامبراطورية وكأنه «الحاكم العام» الفعلي للسودان.. أو كان امبراطورية برونك أصبحت سلطة موازية للحكومة السودانية أو حتى بديلاً عنها. وفي خلال عمله كان برونك يبعث بتقارير دورية منظمة إلى أمينه العام في نيويورك عن تطورات الأوضاع في دارفور كانت كلها مبنية على تحيز مسبق لصالح حركات التمرد وضد الحكومة السودانية.

ولاحقاً وعندما حمي وطيس المواجهة السياسية بين السودان والولايات المتحدة تراءى للممثل الدولي كما يبدو أن يعمد إلى تصعيد من جانبه.. فأضاف إلى التقارير السرية الرسمية تقارير ذات طابع إعلامي تشهيري مقصود بدليل كان ينشر هذه التقارير من على موقعه في الإنترنت لتتلقفها وسائل الإعلام المحلية والعالمية.

وكان أحدث هذه النشرات تقريرا يتحدث عن القوات المسلحة السودانية وكأنها عصابة مسلحة فاشلة كان تقريراً تطغى عليه روح التشفي والتحيز الفاضح، وتجاوز آخر خط أحمر تفرضه اللوائح التنظيمية للأمم المتحدة بحيث أنه أسقط آخر قناع عن وجه برونك. لقد اتخذت الحكومة السودانية قراراً بطرد إيان برونك.. وطردته بالفعل كما يليق بأية حكومة تمتلك أي حد أدنى من احترام الذات والكرامة الوطنية.