الاستطلاع الحديث الذي أجرته جامعة بيرزيت مع مؤسسة أجنبية، في الأراضي المحتلة، جاء بنتائج مؤرقة، تنذر بعواقب وخيمة. 30% من الفلسطينيين يتطلعون إلى الهجرة ومغادرة البلاد، بسبب واقع الحال البائس الذي يسود الضفة وقطاع غزة! في ضوء الظروف القائمة، النسبة ليست مفاجئة.

الشعب الفلسطيني واقع، للأسف الشديد، بين قساوة الاحتلال الإسرائيلي الجهنمي، وبين أوجاع وهموم صراعات قياداته السياسية. وعليه، من المفهوم أن ينمو لديه وبالتحديد لدى شبابه وأجياله الطالعة، جنوح نحو الهجرة والبحث عن آفاق جديدة للحياة. لكن الوضع الفلسطيني له خصوصية فريدة. ما هو طبيعي واعتيادي، في مثل هذه الحالة لا ينطبق. بالأحرى لا يصحّ أن ينطبق عليه.

فالهجرة تعني عملياً تفريغ الأرض، في آخر المطاف. أو في أحسن الحالات، إضعاف لورقة الثقل السكاني الفلسطيني، في الأراضي المحتلة. الأمر الذي يصبّ في خدمة الهدف الاستراتيجي الذي طالما سعت تل أبيب إلى تحقيقه، بصورة أو بأخرى: وهو حملهم على مغادرة أراضيهم.

الأرض هي جوهر المشروع الصهيوني. مصادرتها، كانت دوماً محور سياسات الحكومات الإسرائيلية، منذ 1948 وحتى اللحظة. في البداية أفرغت الأرض بالاغتصاب والاقتلاع. وفي أعقاب حروبها العدوانية، أطلقت العنان لأخطبوطها الاستيطاني كي يتكفل بقضم الأراضي وخلق أمر واقع تتشبث به وترفض تغييره، وهو ما تحقق لها إلى حد بعيد.

ثم ومنذ أوسلو اعتمدت خطة أخرى في هذا التوجه تقوم على «تطفيش» الفلسطينيين من أراضيهم؛ من خلال إعادة احتلال الأراضي وجدار الفصل، فضلاً عن الحصار المستديم والمضايقات وحفلات الاغتيال التي لا تتوقف؛ وصولاً إلى المقاطعة الأخيرة التي فرضتها على الشعب الفلسطيني والتي فعلت فعلها في تجويعه ومحاولة خنقه؛ بالاشتراك مع واشنطن والأوروبيين.

كل ذلك كان له مردوداته السلبية الفلسطينية، لكن الذي لا شك فيه أيضاً ـ وهنا المفارقة الغريبة ـ أن حالة الضيق التي زادت الأزمة السياسية الداخلية في الساحة الفلسطينية، من حدّتها ساهمت هي الأخرى وبدرجة عالية من مناخات الرفض وبالتالي من الميل إلى مغادرة البلاد إلى ديار الهجرة.

ولابد أن إسرائيل شعرت بالارتياح والانشراح الكبيرين لتعاظم موجة الرحيل، فليس بسيطاً أن يكون ثلث المجتمع الفلسطيني تقريباً قد أخذ يفكر ويعمل باتجاه المغادرة. ترجمة ذلك على الأرض أن ثلث الصمود الفلسطيني، بوجه إسرائيل، هو في طريقه إلى ترك هذا الموقع وبالتالي التخفيف على الاحتلال وجعل مهمته العدوانية أكثر يسراً.

الرقم 30%، يبدو أنه مرّ مرور الكرام. الوضع الفلسطيني مشغول بأزمته الحكومية، التي لا تزال تراوح مكانها، إذا لم نقل إنها مرشحة للتفاقم. وفيما الحال كذلك يزداد التأفف والضيق في أوساط الشعب الفلسطيني الصامد الصابر. وعلّ القيادات تلتفت إلى الذيول والتداعيات التي تفرّخ على الأرض والتي تهدد هذه الأخيرة في الصميم؛ فتسرع الخطى للخروج من الأزمة بالسرعة الممكنة قبل أن يخرج الفلسطينيون من البلد ويتركوا الأرض لقمة سائغة للعدو المحتل.