شاطر الرئيس نبيه بري في تجميل الأمور وفي تقديم القضايا والملفات. بالأمس أعطى لمؤتمره الصحافي الذي قدَّم فيه عيديته الى اللبنانيين، طابعاً احتفالياً، فبدأ يسوَّق له منذ كان في سويسرا، وشيئاً فشيئاً تحوَّل خبر العيدية الى حدث الى درجة أن الصحف لم تعد تجد مادة تتحدَّث فيها سوى هذه العيدية.

لكن الحدث شيء ومفاعيله شيء آخر، وهذا ما يستدعي طرح جملة تساؤلات حول التوقيت والشكل والمضمون: ففي التوقيت، أقدم الرئيس بري على خطوته في ظرف بالغ الأهمية حيث الاحتقان السياسي بلغ ذروته، فهناك فريق يعتبر ان تشكيل حكومة وحدة وطنية هو نهاية المطاف وإذا لم تتحقَّق فالطوفان السياسي آتٍ لا محالة.

وهناك فريق يرى أن الأولوية ليست لحكومة الوحدة الوطنية بل لرئاسة الجمهورية، هنا يُطرَح سؤال طالما ان أقطاب السياسة يبدون متباعدين حول هاتين النقطتين خارج طاولة الحوار فلماذا سيبدون متقاربين داخل جلسات التشاور؟

أما بالنسبة الى قانون الانتخابات النيابية، فإن اللجنة المكلّفة وضع القانون الجديد، أشبعت الموضوع درساً وتمحيصاً، وجرى التمديد لها أكثر من مرّة، السؤال هنا: ما لم تُنجزه اللجنة في سنة كيف لطاولة الحوار أن تُنجزه في أسبوعين كحدٍّ أقصى ؟

السؤال الثالث: ما الفرق بين طاولة الحوار التي انعقدت بين الثاني من مارس وتعطّلت بسبب حرب يوليو، وبين الطاولة الجديدة التي ستنعقد اعتباراً من الاثنين المقبل ؟ وما هو مصير النقاط التي تمَّ التوافق عليها بالإجماع في جلسات الحوار السابقة ؟

المتشائمون يرون أن الرئيس بري أستاذٌ في ملء الوقت الضائع، وهو يُدرِك ان ما يقوم به لا يحتوي عصا سحرية، كما يُدرِك أن المعطيات التي تسبّبت بفشل طاولة الحوار الأولى، ما زالت قائمة، فكيف ننجح اليوم بعدما فشلنا في السابق ؟

أما المتفائلون فيرون ان الرئيس بري اقتنص المناسبة بعدما وصل الجميع الى حائط مسدود: فالمطالبون بتغيير رئيس الجمهورية لم يجدوا المخرج لتحقيق هذا الهدف، والمطالبون بتغيير الحكومة لم يكونوا يملكون وسائل الضغط الكافية لفرض حكومة وحدةٍ وطنية.

التساوي في العجز جعل مدير طاولة الحوار يتلقف الكرة ليرميها في وجه الجميع، فإذا وافقوا على هذا الطرح يكون الرئيس بري قد حقّق الهدف الأول وهو سريان هدنة الحوار. أما اذا رفضوا فإنه يُحمِّلهم المسؤولية، إذ لا أحد من أقطاب الحوار بمقدوره أن يرفض الدعوة. أما اذا كان الفشل هو مصيرها فلماذا لا يكون في نهاية الجلسات لا قبل انعقادها!

لقد اكتوى اللبنانيون بالدعوات المتكررة للحوار الى درجة انهم باتوا يرون فيها طبخات بحص، لكن الرئيس بري يعتبر ان من الافضل ان يتراشق الاقطاب بالكلمات حول الطاولة بدلا من ان يتراشقوا بالشعارات في الشارع، والاثنين المقبل لناظره قريب.