العيد في فلسطين (كما في العراق) كانت له نكهة وطعم آخر... على الدم والدموع والدمار نام وصحا أشقاؤنا في فلسطين المحتلة، مثل باقي أيام السنة... لتتواصل أمام أعين «العالم المتحضر» مأساة قارب عمرها الستين عاما... فهل أن هذا العالم فقد حاسة النظر أم أنه يصر على رؤية الأمور بعيون اسرائيلية؟
ففي حين يتواصل الحصار الخانق المفروض على الشعب الفلسطيني بما يدفع أبناؤه الى حافة حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، تواصل آلة الحرب الاسرائيلية بلا هوادة حربها القذرة على أبناء فصائل المقاومة... في مسعاها البيّن لكسر إرادة هذا الشعب وجرّه جرّا الى الاستسلام والخضوعللاملاءات الاسرائيلية... فلا يكاد يمرّ يوم دون اجتياحات ودون غارات جوية ودون سقوط المزيد من الشهداء وتدمير المزيد من المنازل... ليصبح هذا المشهد المأساوي عبارة عن قدر مفروض لى الشعب الفلسطيني لا مفر منه الا بالخضوع للمحتل والركوع أمام غطرسة القوة التي يلوذ بها.
ومن غريب المفارقات أن هذا المشهد الدامي لم يعد يحرّك في المجتمع الدولي الذي رضخ لارادة الادارة الامريكية ومنح الضوء الأخضر للآلة الحربية الاسرائيلية لـ «تسوية» الصراع على طريقتها... وهو بالمناسبة نفس التمشي الذي تتبعه أميركا في العراق، حيث تصر على مقاومة شرفاء العراق (وهم الأكثرية) بالسلاح وبغطرسة القوة غير عابئة بتبعات حرب الابادة التي يتعرض لها هذا الشعب منذ الغزو والاحتلال.
ليس هذا فقط، بل ان المفارقة تأخذ مداها حين يتكاتف الجميع في الضغط على الضحية ويطالبونه بالاعتراف بالجلاد وبنزع سلاحه والتخلي عن المقاومة ومفاوضته بقفازات حريرية... وهو ما يعني الانتحار السياسي وتقديم الحقوق الوطنية الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني قربانا لـ «سلام مشوه» تريد اسرائيل بتواطؤ أميركي ودولي فرضه على الشعب الفلسطيني... وكل هذا لا يخدم السلام الحقيقي في شيء... لأن هذا المنطق المقلوب الذي يزيد في عصر الضحية لحساب الجلاد يزيد في تحييد قرارات الشرعية الدولية ويزيد في احباط الشعب الفلسطيني ويدفعه دفعا الى خندق المقاومة كخيار وحيد وأخير بقي له لاستعادة حقوقه.
ذلك أن هذا الشعب هو الذي يستحق لاعتراف اسرائيل وأميركا بحقوقه المشروعة، وهو الذي يستحق لوقفة جدية من المجتمع الدولي تطمئنه الى مصير قضيته والى مستقبله... وهو من يستحق رؤية النور في نهاية نفق الاحتلال المظلم... ومتى أدرك الجميع هذه الحقيقة فإنه سيصبح بالامكان الحديث عن أجواء ايجابية لصنع سلام متكافئ يعيد الحقوق لأصحابها ويمكن أن يفضي الى استقرار في المنطقة... اما اذا ما تمادى الجميع في النظر الى الصراع بعيون اسرائيلية فإن ذلك لن يزيد الا في الدفع بالوضع الى حافة انفجار شامل لا أحد يضمن أن تنحصر شظاياه في حدود الضفة والقطاع...