شهدت الآونة الأخيرة نوعاً من الطفرة لـ «مواثيق الشرف» في عدة ساحات عربية ملتهبة، خطورة أوضاعها والمدى الذي بلغته في تدهورها المخيف، دفع بالقوى الداخلية، أو بوساطات إقليمية، إلى التحرك باتجاه استدراك الأمور والتوافق حول ضرورة وقف النزف قبل فوات الأوان، سيما وان التحدي بات يهدد الجميع ولن يفلت أحد من مسؤولية الاستمرار والتمادي، في خطه. على الأقل هكذا بدت هذه الموجة، في ظواهرها كما في حيثياتها.

في لبنان سبق وحصل توافق، أطلق عليه اسم «ميثاق شرف»، حول الامتناع عن تعنيف الخطاب، السياسي والإعلامي؛ والابتعاد عن لغة التحدي والاستفزاز ناهيك بالتحقير والتخوين. في البداية تواصل الانضباط تحت هذا السقف ثم جاءت الحرب. كان المرتجى ان يتوطد هذا الالتزام؛ على أن يصار إلى بحث القضايا الخلافية، بما فيها الحرب، على طاولة الحوار. لكن ما حصل كان العكس. طار التفاهم وعادت لغة التقاذف والتراشق إلى أعنف مما كانت عليه.

في العراق، بادر المؤتمر الإسلامي إلى ترتيب اتفاق بين القوى المتصارعة جرى التوقيع عليه في مكة المكرمة، قبل أيام، من جانب قيادات ومرجعيات دينية وسياسية؛ تحت عنوان «وثيقة مكة». تعهد المشاركون «بتحريم» سفك الدماء العراقية بأيد عراقية؛ يعني بوقف الاقتتال والعنف المذهبيين، اللذين بلغت أرقامهما حدوداً مخيفة.

في اليوم نفسه، وبتزامن له دلالاته لناحية التماثل في خطورة الأوضاع والحاجة الماسة إلى وضع كوابح للتدهور فيها، جرى التوافق بين «فتح» و«حماس»، بوساطة مصرية، على «حقن الدماء» الفلسطينية؛ قطعاً للطريق على أي اشتباك أهلي دموي.

في ضوء الأحوال المعروفة في هذه الساحات الثلاث، أي اتفاق أو تفاهم بين الأطراف؛ هو مبعث للارتياح والترحيب. بل هو خطوة إيجابية، حتى ولو كان فقط حول لغة التخاطب. وحتى لو انه في بعض الحالات، مثل لبنان، لم يصمد أمام التطورات.

ذلك أنه على الأقل يكون بمثابة سابقة فتحت الطريق لمبادرات أخرى تصب في تعزيز روحية وأهمية التحاور. فلا مناص ولا بديل، في هذه الحالات الثلاث، من التواصل ومحاولة العثور على المشترك بينها والبناء عليه. وفي أسوأ الحالات يمكن لمثل هذه المواثيق أن تشتري الوقت وتؤدي بالتالي إلى تبريد الأجواء. وربما إلى تغيير في الظروف والمعطيات. وبهذه المقاييس كانت طفرة محمودة.

بيد أن الترحيب بها شيء والركون إليها شيء آخر. فهي تتصدى للنتيجة وليس للسبب. للفرع وليس للأصل. معالجة الناحية الإعلامية والأمنية ـ بالرغم من الأهمية القصوى لوقف القصف الإعلامي التعبوي؛ ولوقف النزف الدموي المرعب، كما في العراق، أو المرشح للانفلات، كما في فلسطين ـ لا تكفي ولا تثمر، إلا إذا اندرجت في سياق معالجة تدريجية للأزمة في جذرها السياسي.

الأزمات الثلاث، سياسية بامتياز. تفاقمها أدى أو محكوم بأن يؤدي إلى العنف والصدام. فأصل العلة سياسي. ومن هنا يبدأ الخروج من الأزمة. وليس ذلك بخافٍ على أحد.

لكن الجميع يكبّله العجز عن سلوك هذا الممر. فالقوى المتصارعة، في الداخل، إما انها لا تملك الحلول السياسية المطلوبة؛ بحكم تركيبتها التي لا تسمح باجتراح البدائل.

وإما انها لا تملك قرارها المستقل، بحكم علاقتها بالخارج الذي تستقوي به والذي له أجندات وحسابات مختلفة. وفي كل الحالات يكمن العطب الأكبر، في غياب المؤسسات والآليات والمرجعيات الدستورية، التي ينبغي الاحتكام إليها لفض الخلافات السياسية ومنع تحولها إلى مواجهات دموية. والموجود منها، هش وعديم الفاعلية.

وهذا ينسحب على كافة الساحات العربية النازفة. وفي الواقع هو أحد أبرز جوانب الأزمة التي تعيشها الحياة السياسية العربية. ولذلك هذه الأخيرة في أغلب الحالات، مأزومة، تعيش في دوامة الاحتقان، الذي يتراكم ويرتفع منسوبه؛ بحيث يؤدي إلى اهتزاز الأمن واضطراب الاستقرار.

وفي أكثر من حالة يؤدي إلى العنف والنزف، الأمر الذي يزيد من انكشاف الساحة وبالتالي من اختراقها وتعقيد أوضاعها. وعندما يفيض العنف ويهدد بالانفلات وبإغراق السفينة بمن فيها، يهرع المعنيون إلى البحث عن مخارج أمنية؛ أو عن توافقات جانبية هي في الواقع ـ على أهميتها الآنية ـ ليست أكثر من هروب إلى الأمام؛ رفعاً للعتب أو فرصة لالتقاط الأنفاس.

وبهذه المواصفات لا يجدون سوى «ميثاق الشرف»؛ الذي مهما سلمت النوايا بخصوصه فإنه لا يقوى على الصمود أمام الحقائق العنيدة على الأرض. والمواثيق الثلاثة التي تم التوافق عليها؛ إما انهارت وإما مرشحة للانهيار.

التدهور الأمني الداخلي هو ابن التدهور السياسي. التجارب تقول إن الحوار هو مفتاح معالجة هذا الأخير؛ وإن صمام الأمان، للمعالجة السياسية الحضارية يكمن في وجود المؤسسات وآلياتها، في ظل خيمة الوحدة الوطنية. وإلا بقيت الأوضاع رهينة الأوهام التي لن تقدم غير التخدير.