قصة ترويها إحدى الصحف البريطانية وهي «الصنداى تليغراف» )8/10( لرجل مسلم يعمل سائق سيارة للأجرة في لندن حيث رفض هذا السائق أن يسمح لراكبة عمياء من ركوب سيارته لاصطحابها كلباً كانت تتخذه دليلاً لها، حيث كان مدرباً ليقودها في الطريق.
وقد رفض سائق الأجرة ركوب المرأة العمياء مصطحبة كلبها لأن الكلب عند المسلمين نجس. فاقتصت المرأة سائق التاكسي فأمرت المحكمة الرجل بدفع مبلغ مالي ولم تأخذ بدفعه وهو أن الكلب نجس وفقاً لتعاليم دينه، ذلك أن القانون البريطاني يجبر كل سائق أجرة أن يسمح للكلاب باصطحاب الراكب إذا كانت لمساعدة شخص أعمى!
مثل هذه القصة وغيرها بتنا نسمع عنها حديثاً بالذات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد بدأ المجتمع الغربي يعيد النظر بسياسة «التعددية الثقافية» ويعيد نقاش منطلقاتها الأساسية.
فهذه السياسة التي اتبعتها بالتحديد بريطانيا والولايات المتحدة لم تعد تؤدي إلى خلق مجتمع متآخٍ تتعايش مكوناته الثقافية والعرقية جنباً إلى جنب بهدوء وسلام، بل خلقت مجتمعاً بذور صراعه الاجتماعي والسياسي قائمة في أعماقه. ويبدو أن أولى ضحايا هذا التوجه الجديد هو التشدد في قبول المهاجرين بالذات من البلاد الإسلامية والتردد في التساهل معهم حيال حصولهم على الجنسية.
ولعل القصة التي تداولتها الأوساط البريطانية المختلفة مؤخراً هي قصة المدرسة عائشة عزمي البالغة من العمر 23 سنة التي ترتدي نقاباً أثناء تأديتها عملها في مدرسة هيدفيلد الابتدائية، وهي مدرسة تابعة للكنيسة الأنغليكانية، الكنيسة الرسمية في بريطانيا. طالبت المَدرسة المسيحية المُدرسة المسلمة عائشة عزمي أن ترفع نقابها لشكوى تلاميذها من ذلك.
وقد أوقفت عائشة عن العمل وتنظر المحكمة الإدارية في تظلمها. وقد أثنى رئيس وزراء بريطانيا توني بلير على القرار وطرح في أول مؤتمر صحافي يعقده بعد عودته من الإجازة الصيفية قضية اندماج الجالية الإسلامية في المجتمع البريطانية معتبراً أنها قضية شائكة يتعين إثارتها ومواجهتها.
أما الصحافيون فكانت أسئلتهم استفزازية من قبيل: هل بإمكان امرأة مسلمة ترتدي النقاب تقديم إسهام للمجتمع البريطاني؟ اعترف بلير بأن «هذا سؤال صعب للغاية» . إنه علامة انفصال (يقصد لبس النقاب علامة انفصال عن المجتمع البريطاني). وأضاف: «ولهذا السبب يجعل الآخرين من خارج الجالية يشعرون بعدم الارتياح».!!
ولم يكن بلير وحيداً في ذلك التصريح فقد سبقه وزير الشؤون المحلية والإثنية إلى ذلك حيث أشار إلى أن المدرسة عائشة عزمي «قد وضعت نفسها في وضع لا يمكن معه بقاؤها في منصبها».
ولا بد من القول أن تلك التصريحات تنم عن الضيق الذي يشعر به الكثير من البريطانيين حيال التباين الثقافي الذي أضحى المجتمع البريطاني يعاني منه، خاصة وأن تلك التصريحات بالذات تصريح بلير يصدر عن زعيم حزب وهو حزب العمال تؤيده غالبية الجالية المسلمة في بريطانيا.
وكانت بريطانيا قد ضجت أوائل الشهر الحالي بخبر لجاك سترو وزير خارجيتها يقول بأنه طلب من النساء اللاتي يزرن مكتبه كشف وجوههن. وقد خفف سترو من لهجته بعد أن ثارت عاصفة من الاحتجاج قائلاً: «بأنه لا يهدف إلى إصدار أوامر بل يعتقد أن تغطية الناس لوجوههم يمكن أن يجعل العلاقة بين البشر من خلفيات مختلفة أمراً أكثر صعوبة».
وأضاف: «أنه يفضل ألا ترتدي النساء المسلمات في بريطانيا أي نقاب على الإطلاق».!! ويبدو أن الرموز الدينية كالمظاهر وأنماط السلوك ستكون مادة للمعارك الانتخابية المقبلة ليس في بريطانيا فقط بل وفي جميع الدول الأوروبية ذات الجاليات المتنوعة وبالذات تلك التي تقطنها جاليات إسلامية كبيرة كفرنسا وألمانيا.
وقد خلقت أجواء التوتر الديني تلك توجساً وخيفة في المجتمع البريطاني نحو الجالية المسلمة التي ينحدر معظم أفرادها من القارة الهندية، فهذه الأجواء المشحونة تقلل من استمتاع الفرد في تلك الدولة العريقة بديمقراطيتها بحرياته الشخصية بالذات لأولئك المنتمين لتلك الأقليات التي تنحدر من مجتمعات يشيع بها التعصب ضد أصحاب المذاهب الأخرى ناهيك عن الأديان المخالفة.
ثم إن هذا النوع من التوتر يعطي مبرراً لأجهزة الدولة في المزيد من تدخلها في شؤون الحياة الخاصة. فهذه الجارديان البريطانية يتصدر صفحاتها الأولى ( 16/10 ) تقرير حصلت عليه يفيد بأنه سيطلب من المدرسين في الجامعات البريطانية التجسس على طلابهم من المسلمين من ذوي الملامح الآسيوية.
وفي مثل هذه الأجواء المحتقنة دينياً أو طائفياً أو قومياً يجد الأفراد المنتمين إلى الأقليات أنفسهم في خطر دائم من المجتمع الكبير وهو ما يؤدي إلى تقوقعهم في أحيائهم وبالتالي يزدادون عزلة عن المحيط الطبيعي ويتهمش دورهم، أو أنهم يحاولون إخفاء هوياتهم الأصلية، فتذكر نفس الصحيفة أن المجلس الإسلامي في بريطانيا قد صرح بأن «بعض المسلمين قد طلبوا نصيحته فيما إذا كان عليهم تغيير أسمائهم لتفادي التعليقات المضادة لهم بسبب إحساسهم بأن الحملة تتركز عليهم وحدهم دون سواهم».!
ولعل إحدى الخطط المطروحة لعلاج الانقسام الثقافي في المجتمع البريطاني والتقليل من عزلة الجماعات العرقية والثقافية التي تعيش في كنف ذلك المجتمع هو تشجيع المدارس الدينية الجديدة ذات التمويل الحكومي على قبول ما يصل إلى 25% من طلابها من خلفيات مختلفة. وقد رحبت الكنيسة الأنغليكانية بهذه الفكرة وأعربت عن استعدادها توفير ربع الأماكن للتلاميذ الآخرين.
غير أن الجماعات الكاثوليكية والإسلامية واليهودية تعارض خطط فرض حصص على مدارسها(البي بي سي 18/10). ولا شك أن المرحلة التي تمر بها أوروبا والغرب بشكل عام هي مرحلة مراجعة فكرة التعددية وقبول الآخر وتركه وشأنه بدعوى إيمانها بحرية ممارسة الفرد لعقيدته وانطلاقاً بحق كل جماعة بالاحتفاظ بخصوصيتها الثقافية والدينية.
ولقد تباينت الأمم الأوروبية اشد التباين في ذلك، فبريطانيا آمنت بالتعددية الثقافية، وفرنسا اتجهت لدمج الأقليات في بلدها بل فرضت الثقافة الفرنسية حتى في مستعمراتها وقد تجلى ذلك في فرض لغتها. أما ألمانيا فإنها تؤمن بالنقاء العرقي، وهي لم تقبل بالأجانب بالذات الأتراك إلا لضرورة تاريخية وهي نتائج الحرب العالمية التي أخلت بتوازنها السكاني بمقتل ملايين من رجالها في جبهات الحرب.
إزاء هذا الواقع الجديد لا بد للمسلمين من التكيف مع المعطيات التي طرأت على هذه المجتمعات، وإبداء المرونة الزائدة والتمسك بجوهر العقيدة. وهم بحاجة إلى الاحتفاظ بأصدقائهم ومناصريهم من أهل البلد الأصليين، إذ بهذه البلدان قطاعاً عريضاً من المواطنين المدافعين بحق عن قيم حرية الإنسان وحقوقه.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com