هل وضعت طبخة تقسيم العراق فوق نار حامية؟ هل اتخذ القرار في هذا الخصوص ام انها فقط محاولات تثير القلق؟ أسئلة يدفع الى طرحها ما تردد في الأيام الأخيرة حول هذا الموضوع الخطير الذي يهدد مصير هذا البلد المثخن بالجراح والهموم.

عبارة «تقسيم» تكررت على أكثر من لسان، مواربة او صراحة، والذي يستوقف ان من صدر عنهم كلام من هذا النوع اما نافذون - الأميركيون -؛ واما مطلعون وعارفون - الروس -. الأمر الذي يجدد الخشية بل الخوف المشروع من ان يكون هذا الخيار قد اخذ يشق طريقه الى ارض الواقع او ان يكون التلميح اليه جاء هذه المرة في سياق تمهيد وتهيئة الأجواء لترجمته بالتدريج من زاوية انه المخرج الميسور لطي هذا الملف.

الخوف من تقسيم العراق ليس بجديد. منذ احتلاله بدأت المؤشرات تتوالى في هذا الاتجاه. الانقسامات العمودية العميقة التي رسختها الخلافات والمواجهات فضلا عن ما تسبب به الاحتلال من دمار وخراب وتمزيق داخلي كلها جعلت من هذا الاحتمال نتيجة غير مستبعدة. او على الأقل عززت الهواجس؛ في هذا المجال.

وبقدر ما كانت - ومازالت - تتفاقم الصراعات وينفلت العنف بقدر ما كانت تزداد مشروعية مثل هذا التخوف، سيما وان هناك تصريحات لقوى عراقية أشارت صراحة الى هذا الخيار والى اعتزامها ترجمته اذا استدعت الأمور ذلك وفي كل مرة كانت القوى المحلية تسارع الى استبعاد هذه النهاية كما كانت واشنطن تسارع بدورها الى نفي وجود مثل هكذا مخطط مع ان أوساطا أميركية رفعت، من زمان، هذا الشعار ولا تزال.

الملفت هذه المرة ان عدة عوامل ومعطيات تضافرت لتجعل من الحديث او حتى الإشارة الى تقسيم العراق مسألة ترتدي طابع الجدية. على الأقل هي تبدو كذلك من حيث المصدر والتزامن. فالسفير الأميركي في العراق زلماي خليل زاد، ربط خلال مؤتمر صحافي مع قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال كايسي بين «محاولات تقسيم العراق» ودور كل من سوريا وإيران في الصراعات الدائرة فيه.

كما ان واشنطن تتوقع استمرار العنف «بشكل ما» الى ما بعد ولاية بوش. رافق ذلك كلام اميركي مكرر عن استخدام «تكتيك جديد»!« في العراق. في الوقت ذاته رأينا وزير خارجية موسكو سيرجي لافروف يسارع الى التحذير من «محاولات تقسيم العراق»!

وهنا اول ما يتبادر الى الذهن هو: هل من صلة بين كلام كايسي - زاد وكلام لافروف؟ هل هذا الاخير يملك معلومات ما حملته على اطلاق تحذيره؟ فعلى الأرجح ليس من باب الصدفة ان تتزامن ملاحظته مع الإشارات الأميركية عن هذا الموضوع؛ كما عن توقع استمرار العنف لأمد ليس بالقصير؛ مع التلويح بتكتيك جديد للتعامل مع هذا الملف.

يضاف الى ذلك الضغط المتزايد الذي تمارسه إدارة الرئيس بوش على حكومة المالكي؛ لتقوم بالخطوات الأمنية المطلوبة منها وفي الطليعة التصدي لسلاح الميليشيات ونزعه ولو بالقوة.

كل ذلك مع بعضه يوحي ان الملف العراقي على مواعيد قريبة مع استحقاقات غير اعتيادية. تعثر كافة محاولات رأب الصدع واستفحال العنف وما ادى اليه من حمام دم يفرض اخذ التلميح الأميركي والتحذير الروسي حول التقسيم على محمل الجد الذي لابد وان يهز العراقيين اولا ثم العرب ويدفع بهم الى قطع الطريق على هذه النهاية القاتلة.