عندما جرفت موجة التشهير بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر الكثيرين من الكتاب والصحافيين، ظل راسخاً في موقع الدفاع عن الحقيقة، وتفنيد كل مزاعم وافتراءات المفترين والأدعياء الذين يتكاثرون حول الموائد، حاملين المباخر لاسترضاء أي سلطان جديد، وبأيديهم أبواق الافك والهجاء للنيل من ذمة الراحل.
ولم يشفع للمفكر والأديب الكبير توفيق الحكيم مكانته وقامته الثقافية، عندما انضم لجوقة الهجوم على عبد الناصر، وجعل من قلمه رمحاً وسيفاً يشهر في حفلة الانقضاض على الزعيم وثورة يوليو، وأصبح كتابه «السقطة» (عودة الوعي) إنجيلاً لكتاب عصر الردة والأفاقين والانتهازيين الذين جرفوا كل معاني الصدق وسرقوا مصداقية الصحافة المصرية، وحولوها إلى صحافة تسبح بحمد كل من بيده السلطة سواء سلطة الحكم أو سلطة المال أو سلطة الأمن السياسي.
في وجه تلك الحملة الظالمة وموجة القبح الصحافي والعهر الثقافي، وقف محمد عودة شاهراً سيف الصدق والحقيقة، واصدر كتابه ( الوعي المفقود) قنبلة انفجرت في وجوه الهجائيين والأفاقين، الانتهازيين، وألقم الحكيم حجراً جعله يعض أنامل الندم على سقطته المدوية، والتزم الصمت، ولم يقدر على الدفاع عن موقفه، لأنه أدرك مدى الخطيئة التي أضرت بموقعه كمفكر وأديب.
وطيلة السنوات التي عاشها الحكيم بعد سقطة( عودة الوعي) منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وحتى منتصف الثمانينات، لم يعرج أبداً على ذكره سواء بالتبرير أو الاعتذار، لأن أي من الموقفين لا يليق به. رغم انه جاهر في مجالسه الخاصة بتراجعه عن افتراءات (عودة الوعي).
وبعيداً عن أجواء وظروف سقوط الحكيم وغيره من الكتاب في مستنقع التشهير بعبد الناصر، يبقى كتاب محمد عودة نموذجاً للشجاعة في الدفاع عن الحقيقة عندما تكون في موقع اليتم الثقافي، وينصرف عنها كثيرون، اجتذبتهم موائد الانتفاع والشهرة والسلطة.
ففي تقديمه لكتابه الوعي المفقود استلهم عودة عبارة لكاتب ايطالي شهير في توصيفه لموقف الحكيم الانتهازي، تشير إلى قيمته كمبدع مسرحي وكاتب، لكنه كسياسي لا يستحق سوى أن يرفع في وجهه الحذاء. وكانت هذه العبارة أقسى ما تعرض له الحكيم، وربما كانت سبباً في إفاقته من غيبوبة الانزلاق في حملة التشهير بزعيم ثورة ، ظل الحكيم طيلة عمره الأدبي مديناً لها بما ناله من تكريم يليق به، كأحد المبشرين بها.
هكذا عرفت الكاتب والصحافي محمد عودة الذي غيبه الموت منذ أيام، بعد معاناة مع المرض، أظهرت مدى حب أجيال عديدة من المثقفين له، والتفافهم حول سريره في المستشفى الفرنساوي بالقاهرة، فلقد كان لهم أباً وصديقاً وأخاً اكبر، وكانوا هم له الأبناء الذين لم يرزق بهم من صلبه، وبوفاته ذاقوا مرارة اليتم الحقيقي.
ظل الراحل محمد عودة قديساً في محراب صحافة الرأي، كاتباً شجاعاً ومتميزاً في أصالة كتاباته وأرائه، وحرصه على إثراء قرائه بكل جديد، ومؤرخاً مدققاً، يوثق بدراساته وكتبه أحداث الفترات المحورية وتحولات السياسة المصرية والعربية والعالمية. وتتنوع أعماله بداية من إجلاء حقيقة هزيمة الثورة العرابية، وانتهاء بالتصدي لأكبر عملية تزييف لتاريخ مصر وثورة يوليو، مرورا بالتعريف بثورات العالم المنسية في مطلع خمسينات القرن الماضي.
وعندما لم يكن احد يهتم بالكتابة عن ثورة الصين ، تحت إغراء وسطوة الثورة السوفييتية وارتباط معظم التنظيمات والحركات اليسارية العربية بـ «الكومنترن» السوفييتي قدم عودة كتابه عن الصين، وظل ممنوعاً من النشر منذ مطلع الخمسينات وحتى أمر عبد الناصر بنشره بعد اطلاعه على مخطوطه.
على أن محمد عودة لم يكن من نوعية الكتاب الذين أكلوا على موائد دولة الثورة، أولئك الذين أثقلت التخمة أجسادهم، وأفقدتهم القدرة على الحركة بعيداً عن أسوار السلطة.
وأعمت أبصارهم عن رؤية الأخطاء فلم يبصروا القيادة بالخطر قبل وقوعه، واختاروا دائماً أن يكونوا ناطقين بالحكمة بأثر رجعي. ومنهم من انقلب على عقبيه، وتحول إلى بوق هجاء لعبد الناصر بعد أن كان طيلة تاريخه بوق مديح، ولن يسعفنا المجال لذكر الأسماء لأن القائمة أطول من أن نلم بها.
وكان عودة محط أنظار الكثيرين كلما تخرس احد على ثورة عبد الناصر، وسعى لجعل النيل منها جسراً للوصول إلى مبتغاة من التزلف للحكام الجدد في مصر المحروسة، أو لمسايرة كعبة النظام الدولي الجديد.
رغم انه لم يكن يوماً في موقع سلطة أو إدارة طيلة أعوام الثورة وصعودها، وكان احد كبار نقاد الدولة وأجهزة الحكم، لم يتخلف عودة أبداً عن خوض معركة الدفاع عن منجزات ومبادئ الثورة. بعد موقعته مع الحكيم، اخرس عودة أولئك الذين جعلوا ذكرى هزيمة ونكسة يونيو وحرب الأيام الستة مجرد حفلة للتشهير بعبد الناصر، وجعل منهم أضحوكة عندما أطلق عليهم وصف «ندابات يونيو».
وأوضح لمن زاغت عينه عن رؤية الحقيقة أن انتصار أكتوبر والعبور العظيم كان نتيجة لسنوات حرب الاستنزاف التي خاضها عبد الناصر ابان أعوام إعادة بناء الجيش، بعد تطهيره من «شلة الأنس» التي أضاعت قائد الجيش قبل النكسة المشير عبد الحكيم عامر.
وعندما بددت ثمار الانتصار بتوقيع الرئيس الراحل أنور السادات اتفاق (كامب ديفيد) ظل عودة المدافع الأول عن عروبة مصر واعتبار قضية فلسطين محور النضال العربي، ولم يتخلف يوماً عن أداء واجب التصدي لمحاولات اختراق مصر عبر ما يسمى بالتطبيع مع إسرائيل.
رحل محمد عودة أول من يتقدم الصفوف في كل معركة، وأول من يغيب عن موائد الانتفاع من ثمار النصر، وخسرت صحافة الرأي قديسها.