التطورات السياسية في فلسطين المحتلة سواء تلك المتعلقة بممارسات الاحتلال الإسرائيلي أو الخلافات السياسية الداخلية بين الفصيلين الفلسطينيين الأساسيين فتح وحماس تبعث على القلق وينذر بأيام عصيبة تواجه الشعب الفلسطيني المحاصر منذ شهور طويلة.
وبالرغم من أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية يشكل العقبة الحقيقية والأساسية لتحقيق الأمن والاستقرار والاستقلال للشعب الفلسطيني منذ أكثر من ثلاثين عاماً، إلا أن الخوف الحقيقي في المرحلة المقبلة يكمن في الخلافات الجوهرية الداخلية التي تمزق وحدة الشعب الفلسطيني وتهدده باقتتال فلسطيني - فلسطيني. هذا في الوقت الذي لا يزال القادة الفلسطينيون يعلنون باستمرار أن الدم الفلسطيني هو خط أحمر لا يجوز تجاوزه.
ولكن من حق كل مواطن فلسطيني وعربي ومسلم أن يسأل كيف يضمن هؤلاء القادة في فلسطين أو في المهاجر أن الدم الفلسطيني سيبقى خطاً أحمر ولن تراق قطرة واحدة إلا باتجاه تحرير الأرض والشعب والمقدسات وليس باتجاه السلطة والنفوذ والحكم؟
هل هناك اتفاق فلسطيني بين جميع قادة الفصائل على عدم تجاوز الخطوط الحمر المتفق عليها لا سيما الدم الفلسطيني ، أم ان الأمر لا يتعدى كونه خطاباً سياسياً نظرياً قابلاً للتجاوز عندما يرى طرف أو أكثر ضرورة ذلك؟ وهذا التجاوز تجسد في أكثر من مناسبة منذ أسابيع قريبة في قطاع غزة عندما سقط قتلى فلسطينيون من حماس وفتح وغيرهم بعيداً عن هدف التحرير.
نسمع أن هناك اتفاقاً قد تم التوصل إليه بين الفصائل الفلسطينية وتم التوقيع عليه كما حدث في اتفاق «وثيقة الأسرى». ثم يعلن من قبل القادة الفلسطينيين على أعلى المستويات أن حكومة وحدة وطنية سيتم تشكيلها.
وأن هذه الحكومة الموسعة ستتوحد ضمن برنامج سياسي واضح توافق عليه جميع الفصائل الوطنية والإسلامية وتعمل على تطبيقه في الشؤون الداخلية والشؤون المتعلقة بالمفاوضات السياسية والعلاقات الفلسطينية الخارجية.
ولكن لا شيء من هذا يحدث ولا تشكل حكومة وحدة فلسطينية ولا يفك الحصار القاسي وغير الشرعي عن الشعب الفلسطيني وتستمر المعاناة وتستمر سلطة الاحتلال الإسرائيلي في ممارساتها القمعية وغير القانونية ولا تبدأ المفاوضات ولا تطبق بنود خارطة الطريق. والأهم أن الخلافات الفلسطينية الداخلية بين الفصائل تستمر وتبدأ عملية الاتهامات المتبادلة بين فتح وحماس حول تعثر تطبيق ما جاء في اتفاق «وثيقة الأسرى».
وهذه الاتهامات تتفاقم وتتصاعد وتيرتها وتترجم في بعض الأحيان على شكل مناوشات مسلحة لتنذر بخطر محدق يهدد بوحدة الشعب الفلسطيني المحاصر وكأن التناقض الأساسي الذي يفترض أن يبقى راسخاً مع الاحتلال الإسرائيلي قد أصبح يدور حول الحكم والسياسة والسلطة والمال والجاه. هذا يحدث في ظل بقاء الشعب والمقدسات والأرض تحت احتلال اقتلاعي استيطاني له ما له من أهداف واضحة ومعلنة في فلسطين والمنطقة العربية بأسرها.
والواضح أنه عندما تم الاتفاق حول «وثيقة الأسرى» بين الفصائل الفلسطينية المختلفة لم ينجحوا في تحديد الآليات التي من خلالها يتم تطبيق الاتفاق، وهذا الفشل بدأ يتجسد جلياً في الآونة الأخيرة بعد الخطاب الذي ألقاه رئيس الحكومة الفلسطينية الذي ينتمي لحركة حماس والتصريحات التي أدلى بها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في مناسبات عدة.
فرئيس الحكومة وحركة حماس ترفض الاعتراف بإسرائيل أو الاعتراف بالاتفاقات التي أبرمتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل وتستمر بالحديث عن هدنة مؤقتة مع إسرائيل. أما الرئيس الفلسطيني وحركة فتح فتصر على أن الجمود في عملية السلام واستمرار الحصار الإسرائيلي والدولي على الشعب الفلسطيني سببه وجود حكومة فلسطينية ترفض الاعتراف بالاتفاقات السابقة وترفض قبول مبادرة السلام العربية، وبالتالي سيبقى الجمود السياسي في عملية السلام وسيبقى الشعب الفلسطيني محاصراً.
إذاً هناك رؤيتان مختلفتان لاتفاق «وثيقة الأسرى» بين أكبر فصيلين فلسطينيين بالرغم من الإعلان المشترك حول رؤية مشتركة فور التوقيع على الاتفاق قبل حوالي شهرين.
فهل هناك فعلاً اختلاف بين رؤيتي الحركتين والقيادات الفلسطينية الآن أم أن الاختلاف حصل في ذلك الوقت عندما تم التوقيع على الوثيقة ولم يتم التعاطي مع الاختلاف بسبب الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة والحرب الإسرائيلية في لبنان. وكان من الضروري الإعلان عن الاتفاق لأسباب سياسية وتنظيمية وشعبية مع الآخذ بالاعتبار الظروف الإقليمية والدولية.
حركة فتح والرئيس الفلسطيني والعديد من القيادات الفلسطينية يتحدثون الآن عن تشكيل حكومة كفاءات «أو تكنوقراطية» لأسباب تعزى عن أن تشكيل حكومة وحدة وطنية مع استمرار عناصر من حركة حماس فيها بدون الاعتراف بإسرائيل والاتفاقات السابقة لن تلبي المطالب الدولية وبالتالي سيستمر الحصار الدولي على الشعب الفلسطيني ويبقى الوضع كما هو عليه.
بالمقابل تصر الآن حركة حماس والقيادت في الداخل والخارج على تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية على أساس اتفاق «وثيقة الأسرى» وترفض حكومة الكفاءات لأنها ستستثني وجود عناصر من حركة حماس في الحكومة الفلسطينية، علماً أن أغلبية أعضاء المجلس التشريعي من حركة حماس وتتمتع هذه الغالبية بالقرار السياسي الفلسطيني.
إن هذا الوضع السياسي الفلسطيني المتعثر داخلياً لا يخلو بطبيعة الحال من التدخلات الخارجية سواء الإقليمية أو الدولية ، إضافة إلى العامل الإيديولوجي لكل تنظيم فلسطيني لا سيما حركة حماس والمرتبط بتنظيم حركة الإخوان المسلمين العالمية.
هذا العامل الخارجي المؤثر في القرار الفلسطيني الداخلي بشكل عام وبالقرارات الداخلية للتنظيمات الفلسطينية كان دائماً حاضراً وقوياً في العمل السياسي الفلسطيني ولا يستطيع أحد أن يتناساه أو يستثنيه لطبيعة الصراع العربي - الإسرائيلي ولمركزية القضية الفلسطينية على المستويين العربي والإسلامي، إضافة للعامل الدولي الذي لم يكن يوماً يعمل لصالح الشعب الفلسطيني.
من الطبيعي في العمل السياسي أن يعمل كل حزب أو تنظيم أو فصيل لمصلحته طالما بقي العمل ضمن الإطار الوطني والقومي ولمصلحة العوام وليس الخواص.
ما نراه الآن في فلسطين المحتلة هو عكس ذلك تماماً. فالهدف الرئيسي للعمل النضالي الفلسطيني والخطاب السياسي المصاحب أضاعة بوصلته على ما يبدو الفصائل الفلسطينية المختلفة ، وأصبح العمل السياسي الداخلي والتنافس فيما بينها وإثبات الذات لقياداتها والإدعاء بسيطرتها على الشارع الفلسطيني هو أولويتها.
وإلا أين النضال للمناضلين وأين المقاومة للمقاومين أم أنها مرحلة النضال السياسي الداخلي والمقاومة السياسية الداخلية لبناء الأحزاب قبل بناء الأوطان ، طبعاً بغض النظر عما يحدث على أرض الواقع من ممارسات إسرائيلية.
ما نرجوه من الجميع أن لا يضيع الهدف الأساسي في فلسطين المحتلة ، وأن لا نقع في المحظور لأن ما تبقى مما يسمى «بالثوابت» ضئيل جداً حتى عندما نتحدث عن ثوابت يسميها البعض بالتنازلات الوطنية ويسميها البعض الآخر بالمتطلبات الدولية.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com