تعد تجارب الأمم الناهضة في البناء والتنمية من الدروس الصعبة التي تحتاج إلى عميق التأمل ودقيق الفهم وذلك لان عملية البناء تتطلب دراسة الإمكانات والموارد التي تحتاجها عملية البناء. وكذلك تتطلب فهم الفكر والروح الذين يقومان بعميلة البناء وفهم العقل الذي يريد البناء ويسعى للحفاظ على هذا البناء لان الحفاظ على البناء أهم من البناء ذاته.

ونحن العرب ومنذ مطلع الخمسينات تحديدا، التفتنا كثيرا يمينا ويسارا شرقا وغربا مستلهمين تجارب الآخرين أو مجتهدين لتجارب منفردة للأسف لم تؤت ثمار تلك التجارب أكلها لاسباب طويلة الشرح معقدة الفهم والتفسير تتداخل فيها احداث مضت وشخصيات باقية او قضت..

ويمكن ان نوجز كل تلك التجارب الفاشلة بسبب جوهري كان في الغالب يسقط من حسابات دولنا العربية مهما توافر الاصرار على البناء والتنمية ألا وهو عنصر (الصدق مع الذات).

ماذا نقصد بهذا العنصر (الصدق مع الذات)، انه ذلك العنصر الذي ينبع من عقل صادق منسجم مع الطموح ومتواز مع القدرة انه أساس البناء الصميم والتنمية الحقيقية وصمام الحفاظ على المنجزات.

ما ورد أعلاه يوصلنا إلى التجربة الإماراتية. تلك التجربة التي جعلت من الإمارات العربية حلما عربيا لم يكن له مثيل. بناء يتعالى في كل يوم ،وتطور يتصاعد إلى الآفاق لا يعرف حدا أو حدودا توقفه أو تعيقه.

كثبان رملية تحولت في عقد من الزمان إلى تحف معمارية وألوان متناسقة تنير حتى عنان السماء.بحر مالح تبنى فوقه جزر لم تحلم في بنائها اكبر دول العالم وأغناها والاهم من كل ذلك الإنسان..

الإنسان لم يفقد اصالته انه لا يزال مؤمنا دون تطرف أو ادعاء أو تكلف ،شريفا دون تزمت ،يحترم ابسط ما منحه الله تعالى كما يحترم ما صنعه هو.. بلد يحتضن ناسا وأجناسا من كل الألوان والأديان لكنه لم يفقد لونه أو دينه..يحترم كل يد أو عقل يسعى في نهضة الإمارات ويقدم يدا في تنميتها المستمرة دون ان يميز سياسيا أو دينيا مادام الكل يحترم القانون وشخصية البلد ومبادئ أهل هذا البلد.

تجربة التنمية في الإمارات جعلت كل السياسيين العرب على اختلاف مذاهبهم ومشارهم روادا أو معاصرين يرون مدى بساطة الانجاز الذي تم في دولة الإمارات العربية والذي تم بمنتهى الانسيابية والهدوء. لم يكن هناك خطب ولا حروب ولا صراعات ولا عقلية المؤامرة ولا أحزاب ولا خراب. كان هناك (صدق مع الذات) قادة هذه الدولة صادقون مع أنفسهم وصادقون مع الناس خططوا وصمموا ونفذوا.

لم يخذلوا الجماهير التي سارت معهم أو يطحنوهم بحروب أصلها المكابرة والمغامرة واحلام العظمة التي حطمت القيادات العربية وحطمت معها الأحلام العربية بالتنمية، تجربة التنمية في دولة الإمارات ذات ابعاد عميقة تحتاج إلى دراسات ومدارس بالرغم من بساطتها. ولكننا يمكن ان نوجزها في مسارات ثلاثة أساسية:

تنمية الإنسان :تنمية الإنسان هي الخطوة الأصعب في اي عمية تنموية خصوصا وان اغلب عمليات التنمية البشرية في العالم هي تحويل القوى البشرية من قوى عاملة في الزراعة إلى قوى عاملة في الصناعة والبناء وهي في الغالب تتم بانسيابية على اعتبار ان العمل الزراعي يحمل في طياته الكثير من جوانب العمل الإنتاجي وبالتالي الإنسان الزراعي يستطيع فهم آلية العمل الصناعي بالتدريج.

ان حالة الإمارات العربية كانت فريدة من نوعها فهي عملية تحويل الإنسان من الصحراء وحرفة الصيد إلى البناء والانتاج الصناعي والتجارة والاستثمار المالي. وتجربة الإمارات ربما حملت تفردا عن تجارب دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى من حيث التركيز على ضرورة تعليم الفرد وان يكون الإماراتي ليس متلقيا للتعليم فحسب بل ان يكون مصدرا أساسيا في العملية التعليمية من الطفولة حتى الدراسات العليا.

لذلك حققت الإمارات اعلى نسبة تعليم بين دول مجلس التعاون الخليجي وتحول التعليم كما ونوعا وبجدية تدعمها الدولة بقوة. تنمية الإنسان لم تقتصر على التعليم بل أيضا على تنمية الفكر والإبداع والخلق واحترام هذه المزايا ودعمها ليس فقط لدى المواطن بل كذلك لدى الوافد لخلق جو من المنافسة الشريفة التي تصب في خدمة العملية التنموية.

ولم يتم اغفال أهمية ان يكون للمواطن الإماراتي دور في اي تجربة بناء بمعنى ان يكون هناك دور للمواهب الوطنية في عمليات البناء وأهمية ان تتعلم تلك المواهب الكيفية التي تم فيها هذا البناء لكي تتولى فيما بعد عمليات الإدارة والإدامة بكفاءة لا تقل عن كفاءة التكنولوجيا التي تم استيرادها.

التنمية البشرية لم تكن تعليما فحسب ولم تقتصر على البناء والإدارة بل كذلك اهتمت بالجانب الإنساني حيث يتم باستمرار تغذية الجانب المعنوي والإنساني لدى الموطن بشكل يجعله يتفاعل مع نكبات الشعوب وهموم الأمة العربية والإسلامية. وهو ما فشلت فيه دول كثيرة عربية وغير عربية.

رغم ان هذا العنصر يعتبر أساسيا في التنمية البشرية لان التفاعل مع الآخر يعطي اندفاعا نحو البناء ويعطي درسا في ضرورة حماية اي انجاز وطني، كما انه يعطي للوافد درسا مهما في احترام هذا البلد الذي يقدم يد المساعدة والعون لكل محتاج في اي مكان واي زمان وعلى اختلاف الظروف.

التنمية المكانية او العمرانية: وتعني تحويل المكان من حال إلى حال افضل وبصورة تتوافق مع متطلبات العصر ومتطلبات التنمية البشرية. فالبناء العصري المتألق المبدع أضحى يلهم الإنسان في ان يبدع باستمرار والا يكون للإبداع حدود.الذي ينظر إلى الصحراء في إمارة دبي قبل أكثر من عشرة أعوام لا يمكن ان يتصور أنها في يوم من الأيام سوف تحتوي ارقى كيلو متر مربع في العالم.

وكذلك في كل مكان في الإمارات بناء له معنى ليس مجرد كونكريت انه مقصود الهدف منه اظهار القدرة على تحدي المكان وظروفه الصعبة والزمان ورياحه العاتية والتي وان عصفت بقوة جعلت بعض أمصار العالم تغدو جرداء فان عصفها لم يكن كافيا ليوقف الإمارات قيادة وشعباً في اكمال ما حلموا به وعاهدوا أنفسهم على تحقيقه.

تنمية المكان كانت تحديا خطيرا لان ظروف هذا البلد الطبيعية قاسية إلى الدرجة التي لن يتحمله نمط البناء الحديث القائم على أنماط الفن المعماري الحديث المصمم أساسا في بيئات مختلفة. إلا ان البحث كان مستمرا لإيجاد الحلول لكل المعضلات التي تعوق أفكار البناء ليس على البر فحسب بل كذلك في البحر المالح الهائج.

العنصر الأساسي الذي قامت عليه عملية التنمية المكانية هو ان يكون المكان متطورا باستمرار مع تطور الزمان بمعنى ان البناء يجب ان يستمر ليواكب الزمان وهو الأساس الذي قامت عليه عملية البناء في معظم المدن الحديثة في العالم وهو ما نجحت فيه الإمارات فكل يوم تجد لونا جديدا وطرازا معماريا خلابا ومذهلا.

التنمية الصناعية والاستثمارية والمالية: وهي تعني ان يتحول هذا البلد إلى منتج وليس مستهلكا فحسب وعملية التحول إلى الانتاج لن تكون وفق طفرات ومغامرات تهلك وتستنزف الإنسان والمكان دون جدوى كما جرى في اغلب التجارب الإنتاجية العربية.التنمية الصناعية تتم بالتدريج لكي يستوعبها المواطن ويتشبع بها فيكون جزءا منها منتجا أو مستهلكا.

اما التنمية الاستثمارية والمالية فهي تعني كيف يمكن ان يصبح هذا البلد جالبا للاستثمار ومركزا أساسيا له ولكن وفق اعلى درجة من الندية والمساومة التي تضمن حقوق البلد والناس مواطنين ووافدين.لكي لا يملي الاستثمار الأجنبي شروطه المجحفة فتتحقق العدالة التي تضمن بقاء هوية البلد وحماية منجزاته.

وعموما درس التنمية في دولة الإمارات بلغ درجة من النضج والوضوح الذي يوصله إلى مصاف التجارب التنموية العالمية وبالتالي فهو لابد ان يدرس بعناية ولابد ان ننظر له بعمق لنرى كيف حول القادة هذا البلد إلى جوهرة في قلب الخليج العربي دون ان يكثروا الحديث أو يطيلوه.

انه درس الصدق الذي اضاعه معظم قادتنا ليس مع الشعوب العربية فحسب بل مع أنفسهم فضاعوا معه واصبحو افضل أسلحة الدمار واشد الأعداء. انه صدق الإنسان الذي لم يبحث عن الشعارات والأغاني والأحزاب والأطياف. انه صادق مع نفسه فبحث عمن يصدقه القول والفعل. وبالتالي فان الصدق مع الذات هو الذي صنع هذا الانجاز الذي سيباركه الله تعالى مادام أساسه الصدق.

كاتبة عراقية