الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة إنتاج نفسها كقوة عظمى إذا توفرت لديها الإرادة والاستعداد للتلاؤم مع تحديات المستقبل. لا أتحدث عن مستقبل بعيد وإنما عن مؤشرات الحاضر في أنحاء مختلفة من عالم اليوم وما يمكن أن يستخلص منها.
تطورت الأحداث الراهنة تطغى عليها حلقات فشل متتالية لإدارة الرئيس بوش في تعاملها مع كل من العراق وإيران وأفغانستان وكويا الشمالية، لكن ماذا عن صورة الغد سواء خلال ولاية بوش الحالية التي تمتد حتى عام 2009 أو الإدارات اللاحقة.
بكلمة أخرى: هل لدى الولايات المتحدة رؤية استراتيجية محدودة ـ ولو بشكل مبدئي ـ لمعالجة التحديات المستقبلية التي تنشأ عن مشاهد الحاضر الملتهبة.. بل وهل لديها أصلا تصور موضوعي لما سوف تؤول إليه هذه المشاهد؟
بعض هذه المشاهد تنطوي على علامة استفهام كبيرة. فمصير العراق مثلا أصبح وكأنه غير قابل للتكهن: هل ينقسم على نفسه إلى ثلاث دول أم يتحول بأكمله إلى دولة شيعية موالية لإيران أو متحالفة معها استراتيجيا؟ وهل في حالة التقسيم تتلاشى دولة الأكراد في الشمال على يد تركيا إذا ترافق مع التقسيم أو سبقه انسحاب عراقي كامل؟
لكن هناك مشاهد أخرى لا ينقصها الوضوح. فبينما من المؤكد أن تعزز كوريا الشمالية ترسانتها النووية فإن برنامج إيران النووي سوف يرتقي إلى مستوى إنتاج أسلحة نووية. وعندئذٍ.. وإذا أضيف إلى ذلك أن يتحدد مصير العراق لصالح إيران على نحو أو آخر ألا تتحول إيران إلى مكانة القوة الإقليمية الأكبر في منطقة الشرق الأوسط عوضاً عن إسرائيل؟
وإذا فقدت إسرائيل وضعها المتفوق بسبب الصعود الإيراني الخطير، ألا ينعكس ذلك إيجاباً على حركة المقاومة العربية المسلحة ـ «حماس» في فلسطين و«حزب الله» في لبنان ـ مع احتمال نشوء تنظيم مسلح جديد في الجولان بدعم سوري إيراني؟
هذا بدوره يقود إلى التساؤل بشأن مصير كثير من الأنظمة الحاكمة في العالم العربي التي تراهن عليها الولايات المتحدة.
ربما تبدو هذه الأنظمة مسيطرة على زمام الأمور.. ولكن إلى متى تبقى على قيد الحياة السياسية بينما تتعاظم قوة منظمات المعارضة الإسلامية؟
التساؤل نفسه ينبغي أن يطرح بشأن الأنظمة الحاكمة في دول أميركا اللاتينية. فهذه المنطقة يجتاحها الآن تيار يساري يندفع بقوة صامتة. وبينما سجل هذه التيار انتصاراً في فنزويلا فإن المعارضة اليسارية باتت الآن تدق أبواب السلطة في أربع دول أخرى هي إكوادور والأرجنتين وشيلي والمكسيك.
في هذه الأثناء تتصاعد في الساحة الدولية قوة كل من الصين وروسيا في سياق تحدٍ سياسي وعسكري واقتصادي للولايات المتحدة سوف يتعاظم بصورة خطيرة في المستقبل القريب عندما تتحول العلاقة الصينية الروسية إلى شراكة استراتيجية كاملة.وإزاء هذه التحديات المتنامية يصبح السؤال الكبير هو: هل بدأ العد التنازلي للهيمنة الأميركية في العالم؟