في الأربعينيات من القرن الماضي قتل (الكونت برنادوت) مندوب الأمم المتحدة من أجل القضية الفلسطينية، ولحقه (داغ همرشولد) بإسقاط طائرته، وهو يزمع حل قضايا أفريقية، وقد لعبت الأمم المتحدة أدواراً سياسية وإنسانية جيدة، لكنها في السنوات الأخيرة بدأت تفقد فاعليتها وحيادها، وخاصة بعد زوال الاتحاد السوفياتي، الذي كان يفرض أن تكون أعمالها مستقلة، وبعيدة عن الاستقطاب، إذ رغم سخونة الأحداث وتتاليها مثل الاعتداء الأخير على لبنان، واحتلال العراق الذي يواجه أقسى ظروف التقاتل والتمزيق، والملف النووي لإيران وكوريا الشمالية، أصبحت الهيئة الدولية تعيش في الظل، أو خارج مدار العمل المطلوب منها..
في قضية دارفور بالسودان، أرسلت مبعوثاً يفترض أن تكون مهماته سياسية وإنسانية، لا أن يتحدث بلسان وزيرة الخارجية الأمريكية، عن حالة القوات السودانية وتردي معنويات العسكر هناك، والاضطرابات التي قد تحدثها، ثم اتهام حكومة السودان بدعم (الجنجويد) مما استدعى طرده من السودان مما أثاربعض الدول المستنكرة لهذا الفعل، دون أن تفهم أن للدول والشعوب حسها الاستقلالي ورفضها التدخل بشؤونها، مهما كانت مهمة الأهداف وسلامتها..
نحن لا ننفي، ولا نثبت مدى ما يقال من اتهامات للحكومة السودانية، والظروف المحيطة بالواقع الذي يجري على الأرض، لأن هناك أحكاماً كثيرة، أعطيت يناقض بعضها الآخر، ومع ذلك فليس من المنطقي ترك هذه الحالة تستمر بالتفجر، أو تسود القسوة أطراف القتال ليكون الضحايا من المواطنين العاديين، وبنفس الوقت لا يمكن تجاهل حق السودان في الدفاع عن سيادته، ضد أي اجراء يراه غير قانوني، ومن هيئة يفترض أن تكون في أعلى مسؤولياتها وحياديتها..
لا أحد يريد زوال هذه الهيئة، لكن المطالبة بإصلاحها، قد تعود بالفائدة لكل دول العالم، ومن الظلم تجاهل إنجازاتها منذ إنشائها، لكن أن تفقد أهم شروط وظائفها، وتدخل خصماً في بعض الأحداث، أو تتجاهل أخرى بالصمت التام، ودون أن يكون لها موقف واضح، مثل استنكار الحروب، أو الظلم الذي يلحق دولاً صغرى من أخرى كبيرة، أو إرسال مندوبين يفتقدون للحس الدبلوماسي الراقي، فإن ذلك يجعل المنظمة الدولية خارج مهماتها، المفترض أن تكون الباعث لوجودها..
لسنا في سبيل محاسبة أحد، غير أن العالم الذي يشهد حالة من الفوضى وتداخلاً بالصلاحيات، حين تفرض دول مصالحها الذاتية بإشعال الحروب، أو تقييد مصالح دول أخرى، يجعل من هذه الفوضى سبباً لخروج الهيئة الدولية من مهماتها وأعمالها..