بدأ الأسبوع الماضي العمل بقرار المجلس الأعلى للاتحاد بشأن حل مشكلة عديمي الجنسية ومن يندرجون تحت مسمى «البدون». ويتضمن القرار الموافقة على حل مشكلة هذه الفئة وتكليف لجان المتابعة المكلفة بالإسراع في تقديم مرئياتها في هذا الشأن في أقرب وقت ممكن. لا شك في أن هذا القرار جاء في وقت ملح بعد أن طال انتظار الجميع له، سواء ممن يندرجون تحت هذه الفئة، أو من الآخرين الذين ساورهم قلق مشروع بشأن أسر وأفراد متواجدين في مجتمعنا بدون صفة قانونية ترعى مصالحهم ومصالح المجتمع.

هذا القرار يعكس الحكمة التي تميزت بها قيادة الدولة، ويعكس رؤية دولة الإمارات التي تسعى للتقدم والرقي ليس اقتصادياً فحسب بل إنسانياً واجتماعياً من خلال النظر في أحوال أبنائها والمقيمين فيها. ويعكس هذا القرار أيضاً إدراك ووعي القيادات التام انه ليس هناك استقرار ولا أمن في المجتمع طالما أن المجتمع يضم أفراداً مغبونين، أو متحسرين على أوضاعهم، يشعرون بأنهم ليسوا في حالة استقرار تتيح لهم الاندماج في المجتمع بشكل كامل.

إن قراراً كهذا يمس أمن واستقرار مجتمع لابد وان تكون الرؤية والإجراءات فيه متعقّلة إلى أقصى درجة ممكنة، ولابد وان تستفيد هذه الرؤية من تجارب دول سبقتنا إلى خطوة حل مشكلة «البدون»، وهذه الاستفادة تتطلب رصد إيجابيات وسلبيات ومعوقات تلك الخطوات للتوصل إلى حل جذري لهذه المشكلة. لا شك أن المهمة صعبة وتحتاج إلى متابعة وجهد كبيرين، لكننا متأكدين أنها ليست مستحيلة.

أبناء «البدون» عاشوا في هذه الدولة ويحملون ولاء لها ولأهلها وينتظرون أن تتاح لهم فرص يثبتون من خلالها هذا الولاء فعلياً متى ما حملوا أوراقاً قانونية تتيح لهم ممارسة كل ذلك. هناك أفراد خارج فئة «البدون»، يتمتعون بأوضاع مستقرة في الدولة من جميع الجوانب، نفسياً واجتماعياً واقتصادياً،

ومع ذلك تصدر منهم ممارسات وتجاوزات تقلل من ثقة الوطن فيهم لأن ممارساتهم تتعارض مع مسألة الولاء الوطني وأهداف الدولة وتوجهاتها، وتكسر قوانين لابد من الالتزام بها، فما بالنا بأفراد يقيمون بيننا وهم لا يحملون أوراقاً قانونية تحدد مصيرهم في بلد لم يعرفوا غيره، ويحرمون من امتيازات يتمتع بها الغير؟ ما الذي نتوقعه منهم وهم واقعون تحت كل هذه الضغوط؟

نتمنى أن تبقى الإمارات القلب النابض للحداثة والتطور في كل شيء لأن الأمم اليوم لا تقاس بمدى تطورها الظاهر فحسب، ولا تقاس نهضتها بأرقام فلكية تتحدث عن انجازاتها الاقتصادية، بل تقاس بما تحدثه في مجتمعها من ثورة في القيم والفكر تعنى بالإنسان وتستثمر فيه إلى أقصى درجة.

فبدون رعاية الإنسان ومنحه حقوقه لا يمكن ان ننعم بأمن واستقرار وتقدم. لذا فإن الإبقاء على مشكلة «البدون» بدون حل، مع التمسك بقوانين قديمة لم تعد تتناسب والتغييرات التي طرأت على مجتمع الإمارات يؤذن بتداعيات سلبية تطال أمن واستقرار هذا المجتمع، وهو ما لا نسعى إليه أو نتمناه، وهو الأمر الذي يسعى قرار كهذا للحد منه.

maysaghadeer@yahoo.com