من خير بقاع الأرض، وفي أجواء رمضانية مفعمة بالإيمان والأمل والتفاؤل، جاءت وثيقة مكة لحقن دماء العراقيين، ووقف أعمال العنف وتأكيد حرمة دور العبادة.

أهداف الوثيقة بلا شك نبيلة، وتحقق في حال تطبيقها الأمن المفقود في أرض الرافدين، وتعيد للمواطن العراقي أمانه وكرامته التي امتهنت مرات على يد قوات الاحتلال، ومرات أخرى على يد من يدعون الإسلام ويرفعون شعار المقاومة.

وإذا كانت النوايا الطيبة لا تكفي وحدها لدخول الجنة، فإن السؤال الأهم الآن هو: كيف يمكن أن ترى وثيقة مكة النور، وتترجم بالفعل على أرض الواقع؟ وما الذي يحول دون ذلك؟

القراءة المتأنية للوثيقة وللموقعين عليها، تثير بعض المخاوف رغم الترحيب العربي والدولي بها، وان كان لكل أهدافه من وراء هذا الترحيب. فبعض المحللين يرى أن وثيقة مكة ستظل حبرا على ورق، لغياب المرجعيات المؤثرة أمثال السيستاني ومقتدى الصدر عن المشاركة في صياغتها، واستبعاد الحركات المسلحة منها، الأمر الذي يلقي بظلال من الشك حول إمكانية تطبيقها.

ويبقى السؤال مطروحا... كيف يمكن تطبيق وثيقة مكة؟

الأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي الدكتور أكمل الدين احسان أوغلو، كان أكثر وضوحا حينما أكد أنها (وثيقة دينية تبين حدود الله وحدود الحق والباطل، وبالتالي ليس لدى المنظمة أو أي جهة أخرى قوة على ضمائر الناس، لأن القوة هنا دينية ومعنوية).

بعبارة أخرى، فان تطبيق وثيقة مكة يعتمد بصورة كبيرة على عزيمة وقدرة القيادات والمراجع الدينية والسياسية على قراءة الواقع المرير الذي يمر به أبناء الرافدين، والارتفاع الى مستوى المسؤولية وتنحية مصالحهم الشخصية جانبا.

وربما تجد القيادات المذكورة في الترحيب الخليجي والعربي والاميركي لما تم في مكة، ركيزة نحو الانطلاق بوطنهم الى بر الأمان، وتفويت الفرصة على الداعين الى تقسيمه، وفى هذا الاطار جاء ترحيب مجلس التعاون الخليجي بوثيقة مكة قويا وواضحا.

حيث أعرب عبد الرحمن بن حمد العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، عن مباركة دول المجلس لهذه الوثيقة (التي تأبى تصنيف المسلمين على أساس مذهبي يستهدف حرمة الأمة ووجودها وكرامتها ودماء أبنائها وأموالهم وأعراضهم. الترحيب ذاته أبدته جامعة الدول العربية، التي أعربت عن أملها في أن تجد هذه الوثيقة صداها لدى الشعب العراقي خاصة مرجعياته الدينية).

الموقف الأميركي جاء أيضا مرحبا بوثيقة مكة، حيث حضت السفارة الاميركية في بغداد قادة العراق على الاستجابة لهذا الاعلان الأخلاقي من خلال تقديم كل شيء ممكن لوقف قتل الأبرياء.

وبغض النظر عن دوافع الموقف الأميركي، الا أنه لا يمكن فصله عن الحالة الحرجة التي تمر بها القوات الأميركية بالعراق وفشلها في تطبيق خطة بغداد الأمنية، والضغوط التي يواجهها الرئيس بوش وادارته داخل الولايات المتحدة، والتي انخفضت معها شعبيته قبل انتخابات التجديد النصفي التي سيسعى فيها حزبه الجمهوري للحفاظ على سيطرته على الكونغرس.

خلاصة القول ان تطبيق وثيقة مكة، يتطلب ما هو أبعد من الترحيب العربي والدولي، والنوايا الحسنة للموقعين عليها.

haniihanii@hotmail.com