جاء تقرير المخابرات الأميركية الذي كشفت جريدة النيويورك تايمز عن بعض تفاصيله قبل أسابيع ليعترف بأن الحملة العسكرية الأميركية على العراق فشلت في تحقيق أهم أهدافها، وهو تقليل مخاطر الإرهاب التي تتهدد أمن أميركا.

إذ كانت أميركا قد ادعت قبل القيام بحملتها العسكرية على العراق في عام 2003 أن نظام الرئيس السابق صدام حسين كان على علاقة بتنظيم القاعدة، وأنه يملك أسلحة كيماوية وبيولوجية، وأنه يعمل على تطوير أسلحة نووية، ولذا فإن استمرار وجوده يشكل خطرا على الأمن الدولي ويهدد المصالح الأميركية.

وبناء على ذلك أصبح التخلص من صدام حسين ونظام حكمه جزءا من الحرب على الإرهاب، وضرورة من ضرورات الحفاظ على الأمن الدولي وحماية المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يعني أن القضاء على ذلك النظام كان من المفروض أن يؤدي إلى تقليل خطر الإرهاب.

إلا أن تقرير المخابرات، والذي عبر عن وجهة نظر 16 وكالة من وكالات المخابرات الأميركية، قال بأن غزو العراق واحتلال أراضيه تسبب في زيادة مخاطر الإرهاب بدلا من تقليلها.

كانت التقارير السرية والكتب العديدة التي نشرت في أميركا وبريطانيا وتناولت الحرب على العراق خلال السنتين الأخيرتين قد أثبتت، وبما لا يدع مجالا للشك، أن كافة الادعاءات الأميركية بشأن نشاطات العراق العسكرية كاذبة أو ملفقة أو مشكوك في صحتها وأمانة من قاموا بإعدادها والترويج لها.

كما أثبتت تلك الدراسات، وبشكل شبه قاطع، أن الإدارتين الأميركية والبريطانية كانتا على علم بزيف إدعاءاتها، وأن حربها على العراق جاء لأسباب مختلفة لا تمت للإرهاب بصلة. ويبدو أن قناعة كل من فرنسا وألمانيا في حينه بكذب الإدعاءات الأميركية كان سببا لتخلي الدولتين عن حلفائهم الأميركيين والبريطانيين.

وذلك خلافا لما كان عليه الحال تجاه أفغانستان حين شاركت الدولتان في الحملة العسكرية ضد طالبان والقاعدة. ولقد تبع ذلك قيام العديد من وسائل الإعلام الأوروبية بالتشكيك في نوايا الحلفاء، وقيام كل من الرئيس الفرنسي شيراك ومستشار ألمانيا السابق شرودر بالتحذير من عواقب الحرب وما قد تسفر عنه من مشاكل لا تحمد عقباها.

كان من أبرز النتائج التي توصل إليها تقرير المخابرات الأميركية أن غزو العراق واحتلال أراضيه قد تسبب في زيادة حدة وخطر الإرهاب، ولم يؤد إلى القضاء عليه ولا حتى إلى التخفيف من حدته كما كان من المتوقع أن يحدث. إلى جانب ذلك، قال التقرير إن احتلال العراق تسبب في ميلاد جيل جديد من الجهاديين.

- وذلك كما يسميهم التقرير وتدعوهم وسائل الإعلام الأميركية - أكبر من حيث العدد وربما أصلب من حيث الإصرار على الجهاد من الجيل السابق، حيث أصبح العراق بؤرة جذب لكل من أراد ويريد محاربة الأميركيين ويناصبهم العداء. أما فيما يتعلق بأسباب ميلاد ذلك الجيل وتنامي أعداد الجهاديين، فتشمل عوامل داخلية وأخرى خارجية، لخصها التقرير على النحو التالي:

1. معاناة الشعوب العربية والإسلامية من العديد من المظالم كغياب العدالة، وانتشار الفساد، والخوف من الهيمنة الأميركية، وهذا تسبب في حدوث إحساس عارم بالمهانة والإحباط والغضب، وشعور بعدم القدرة على التغيير بالطرق السلمية.

2. تباطؤ عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد العربية والإسلامية عامة.

3. الشعور بواجب الجهاد من أجل إنقاذ العراق وتخليصه من الاحتلال الأميركي.

4. تزايد حدة الشعور المناهض لأميركا في البلاد العربية والإسلامية عامة.

كان نشر بعض المقتطفات من التقرير، سببا في إغضاب الرئيس جورج بوش الذي سارع إلى إدانة عملية تسريب المعلومات، لكنه اضطر، تحت تزايد المطالب بنشر التقرير بكامله، إلى السماح بنشر الجزء المتعلق بالنتائج مع حذف الأجزاء التي اعتبرها ذات علاقة ماسة بأمن أميركا.

وبذلك قام الرئيس الأميركي في الواقع بالتستر على أجزاء هامة من التقرير، مما تسبب في حرمان المراقبين وجماهير الشعب من معرفة الحقيقة كما رأتها أجهزة المخابرات الأميركية. وهذا يطرح سؤالا هاما حول ماهية الأجزاء التي تستر الرئيس عليها: هل هي معلومات واستنتاجات تلحق الضرر بإدارته، أو هي حقائق تفضح الدور الذي لعبته وتلعبه إسرائيل في نشر الكراهية تجاه أميركا؟

يتضح مما سبق أن ما نشر من التقرير لم يحاول الإجابة عن السؤال المتعلق بسبب تزايد العداء لأميركا بين الجماهير العربية والإسلامية، وهذا يخالف منطق التحليل العلمي الذي يسعى دوما لمعرفة أسباب المشكلة من اجل إيجاد الحلول الناجعة لها.

كما أن استمرار الرئيس الأميركي بإخفاء الحقيقة من ناحية، وعدم إصرار وسائل الإعلام والديمقراطيين على نشر التقرير بكامله من ناحية ثانية، يزيد الشكوك حول ما يحمله التقرير من معلومات قد تصيب الحليف المشترك لكل أعضاء النخبة الإعلامية والسياسية المهيمنة على كافة أوجه الحياة الأميركية من شبهات وإدانة، ألا وهي إسرائيل.

في الواقع، لا يمكن لأي تقرير استخباراتي يسعى للتعرف على أسباب تزايد العداء لأميركا في الدول العربية والإسلامية أن يغفل دور إسرائيل في اضطهاد الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقوقه المشروعة، وقيامها برفض كافة القرارات الدولية المتعلقة بذلك.

ومما يؤكد أن التقرير قد احتوى على الأغلب تحليلا لدور إسرائيل وعلاقتها بأميركا أن الأجزاء التي تم نشرها تقول أن غالبية المسلمين يعارضون الأعمال الإرهابية والتطرف الفكري، ولذا فإن من شأن الإصلاحات الديمقراطية أن تغير الوضع إلى الأحسن. وهنا يعني أن التقرير المخابراتي إما أنه أغفل كليا دور إسرائيل وعلاقتها بأميركا في تزايد حدة الإرهاب، أو أن خوف النخبة المهيمنة على المجتمع الأميركي من البعبع الإسرائيلي وحرصها على سلامة البقرة الإسرائيلية المقدسة.

- وهو ما أرجح حصوله - هو السبب في عدم ذكر إسرائيل في الجزء الذي تم نشره من التقرير. وبناء على ذلك، يمكن القول أن التصرف على هذا النحو من شأنه أن يزيد مشاكل أميركا، وأن يعمي بصيرة صناع القرار فيها، وأن يتسبب في تعميق حدة ما يواجهه العالم من مشاكل وأزمات، وأنه لم يعد هناك أمل يرجى من هذه النخبة الحاكمة في أميركا.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

professorrabie@yahoo.com