الأزمة الناشئة بين الخرطوم ومبعوث الأمم المتحدة في السودان، يان برونك، يبدو أنها في طريقها إلى حل مقبول، المنظمة الدولية والحكومة السودانية، تتحركان في هذا الاتجاه. الجامعة العربية دخلت، هي الأخرى، بشخص أمينها العام عمرو موسى، على الخط؛ سعياً لاحتواء المشكلة.

كل الجهود تتقاطع عند الرغبة بعدم تكبيرها وضبطها في حدود حجمها الطبيعي والتعامل معها بالطريقة المقبولة. فلا مصلحة للسودان في الخروج عن هذه الحدود؛

وقد شددت الخرطوم على هذه النقطة، ولا مصلحة أيضاً للأمم المتحدة في الرد على الخطوة السودانية وكأنها موجهة إليها، كدور وكمرجعية محايدة ومؤتمنة على حماية الأمن والسلم في العالم، من هنا، المدخل لتسوية الموضوع من خلال صيغة لا تترك أية ذيول سلبية، فالأمم المتحدة لا يستغنى عن دورها، وليس من الفائدة بشيء الاستغناء عنه، لكن في الوقت ذاته ليس من الفائدة المنشودة أن يصار إلى تجاوز مثل هذا الدور، ولو كان مثل هذا التجاوز فردياً.

اتخذت الخرطوم قراراً بطرد برونك من البلاد وأعطته مهلة 72 ساعة لمغادرتها. السبب أن المبعوث تجاوز مهمته «وكل الخطوط الحمراء ليصبح جزءاً من المشكلة بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل»؛ حسب التعليل الرسمي السوداني.

وكان المذكور قد سجّل على موقعه الشخصي، على شبكة الإنترنت، في تعليقه على ما يحصل في دارفور أن «الحالة المعنوية في أوساط القوات السودانية هناك باتت متدنية». ثم أضاف إن «بعض القادة في الجيش قد طردوا والجنود يرفضون القتال».

أثار اكتشاف هذا الكلام، المسؤولين السودانيين. رأوا فيه «حرباً على القوات المسلحة»، يشنها المبعوث الدولي، وكان الرد بقرار طرده.

تصرّف برونك، لا يتفق مع المهمة المنوطة به؛ والتي يفترض أن تراعي وباستمرار شرطين: عدم التدخل في الشأن السوداني الخاص. وثانياً الحرص على عدم مغادرة موقع الحياد الذي قامت الأمم المتحدة على أساسه والذي يشكل العمود الفقري لصدقية وظيفتها وللمقبولية الواسعة التي تتمتع بها.

الخروج عن هذا السقف، شطط مسؤول عنه صاحبه وليس المنظمة الدولية. وهو ما تنطبق عليه الحالة الراهنة. وقد أحسنت الخرطوم عندما سارعت إلى التأكيد، بلسان مندوبها في الأمم المتحدة، بأن خطوة الطرد تتعلق بشخص برونك فقط وليس بدور المنظمة؛ مشدداً على استمرار تعاون بلاده مع هذه الأخيرة؛ من دون أن يؤثر عليه هذا الحادث.

توضيح سليم، لناحية وضع الأمور في نصابها وحصر المسؤولية بالفرد، وبالتالي تحييد المؤسسة؛ في هذا الصدد.أهمية هذا الفصل، تخدم السودان من حيث الموقف المبدئي من الأمم المتحدة؛ كما من حيث الحرص على عدم توسيع شقة الخلاف معها، حول دارفور. العلاقة بين الجانبين، في هذا الخصوص، شهدت سوء تفاهم وأحياناً توترات؛ بُذلت المساعي الكثيرة لتطويقها وإيجاد المخارج غير المكلفة لها، ذلك أن تركها تتفاقم من شأنه أن يضع السودان في مواجهة، لا تخدمه، مع الشرعية الدولية.

الأمم المتحدة أصيبت هيبتها وتآكل دورها، بمقادير مؤذية. وظيفتها التي تشكل صمام أمان على الساحة الدولية مصابة بالضمور، خاصة في السنوات الأخيرة. الأسباب معروفة: أدوار الهوامير الدوليين، خاصة الأكبر من بينها، هيمنت عليها المصلحة الدولية، خاصة في منطقة منكوبة بالحروب والاستهدافات الخارجية، مثل منطقتنا، أن يصار إلى التشبث بها وبدورها والعمل دوماً من موقع الحرص على تعزيزها وعلى إحباط المحاولات الخبيثة الساعية لاستدعائها علينا وتأليب العالم ضدنا. وتجاوز الأزمة مع برونك يخدم هذا التوجه.