في أيام شهر رمضان المبارك، كنت أقرأ في كتاب الله كعادة المسلمين جميعا في أقطار العالم سعيا لختام القرآن في هذا الشهر من كل عام، وعندما وصلت إلى «سورة القمر» التي تحذر البشرية كلها في أولى آياتها «اقتربت الساعة وانشق القمر» وعدد الله جل جلاله فيها مصير الأمم السابقة سواء التي غرتها قواتها، أو أعمتها أموالها، أم غلبتها جهالاتها، فأنكرت الحق، وخاصمت العدل واستمرأت الظلم.
وعرض مصائر الطغاة الجاهلين والظالمين المستكبرين من قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون بقوله تعالى: «كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر».
ولأن سورة القمر تكررت فيها آية كريمة عدة مرات مع بداية ونهاية عرض مصير كل قوم ظالمين، بقوله تعالى، «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» فلعل القرآن الخالد على مدى العصور التالية يذكر الأمم القادمة في الغرب والشرق والشمال والجنوب بمصير من سبقوهم، من الكبار الأقوياء الأغنياء الظالمين للشعوب.
وبينما كنت أفكر في معاني سورة القمر على سطح الأرض المليء بالظلم والجهل والعدوان، تذكرت أنه في الطريق إلى القمر صورة مغايرة، ففوق سطح القمر واد فسيح يسمي «وادي العرب».. فوق تراب هذا الوادي،ثبت رواد الفضاء الأميركان لوحات باللغة العربية عليها سورة «الفاتحة» التي تبدأ بحمد الله رب العالمين.
وهي أول سورة من القرآن الكريم.. وسورة «الإخلاص» التي تبدأ بالدعوة إلى التوحيد «قل هو الله أحد..» والثالثة كتب عليها بالعربية والإنجليزية دعاء لسفينة الفضاء التي حملت هذه اللوحات «اللهم احفظ أنديفر»،وهو اسم السفينة الفضائية الأميركية التي حمل روادها هذه السور القرآنية إلى سطح القمر..
كانت اللوحة الأخيرة تحمل توقيعات ثلاث فتيات أميركيات مسلمات من أصل عربي في عمر الزهور هن «كريمة» و «ثريا» و«فيروز».. هن اللائي كتبن،وهن اللائي رجون الرواد غير المسلمين وغير العرب أن يحملوها معهم إلى «وادي العرب» مباركة منهن لأول رحلة لإنسان إلى القمر، ومباركة منهن بآيات من القرآن الكريم لوادي العرب على سطح القمر.
وحينما أتاح لي عالم الفضاء الأميركي المسلم المصري العربي الأصل الإطلاع على الصورة التي تحمل دعاءهن المخلص،وتوقيعاتهن بكتابة عربية طفولية، لم أملك إلا القول «سبحان الله»..!
فقراءتي للصورة رأت فيها عدة معان عميقة ورائعة في وقت واحد..رأت فيها قدرة الله الذي علم «الإنسان» ما لم يعلم، فأمده بسلطان العلم الذي مكنه من النفاذ في أقطار السماوات والأرض وصولا إلى القمر!
ورأت فيها قدرة الله على تسخير كل شيء في الكون للتبليغ برسالة السماء للأرض، رسالة الإيمان الواحدة بالله الواحد الأحد،عبر الرسالات السماوية التوحيدية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، على يد أنبيائه موسى وعيسى ومحمد عليهم جميعا الصلاة والسلام..
ورأت فيها نفاذا لأمر الله بإظهار آيات الله الكونية لبني الإنسان في الآفاق مصداقا لقوله تعالى: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق». ورأت فيها وحدة الإنسانية لا فرق بين عربي وأميركي، ولا بين مسيحي ومسلم في رحلة «لإنسان» من الأرض إلى القمر، الذي هو في النهاية إنجاز بشري شارك فيه علماء من كل القارات.
قارنت بين هذا التوحد الإنساني الرائع بمعناه الشامل الروحي والعرقي في هذه الرحلة الفضائية المثيرة والتي بقيت حلما مستحيلا للبشرية كلها على مر الأجيال، وبين هذا الانفصال اللاإنساني المريع في التعاون الدولي في مسيرته الأرضية، حيث هذا التقدم العلمي في الشمال والتخلف في الجنوب، وهذا الغنى الحاد في الشمال، والفقر الحاد في الجنوب!!
ومن ناحية أخرى كانت المقارنة بين هذا الغنى الروحي في الشرق، والفقر الروحي في الغرب، والمظالم التي تعانيها شعوب الشرق من سوء بعض الإدارات الحاكمة والمتحكمة في الغرب!!
وقلت لنفسي لو تعاون الغرب والشرق على تحقيق العدالة السياسية للإنسانية، ولو تعاون الشمال والجنوب على تحقيق العدالة الاقتصادية للبشرية، مثلما تعاونوا بصورة رائعة في الصعود إلى القمر لتحقق للبشرية حلمها الحقيقي غير المستحيل على الأرض في العدالة والحق في الحرية والحياة والكرامة الإنسانية.
ولخلت الأرض من شرور المجاعات والبطالة والاحتلال والعنصرية والاستغلال والظلم.. يومها فقط نصنع على الأرض لكل إنسان عالما بلا خوف وبلا قهر أو إرهاب.
وإذا كانت كريمة وثريا وفيروز كريمات عالم الفضاء العربي المصري الدكتور فاروق الباز قد دعون الله أن يحفظ رحلة الإنسان الأميركي إلى القمر، فإن دعائي هو أن يهدي الإنسان الأميركي وغير الأميركي في كل مكان على هذا الكوكب لإقامة العدل الحقيقي ولصنع السلام الحقيقي الذي يمثل حلم الإنسان، والذي لا يمكن أن يتحقق إلا بإنهاء ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
mamdoh77t@hotmail.co